اللا مبالاة وانعدام الطموح سببان لاكتئابي، فما الدواء الذي يناسبني؟

2012-03-16 18:49:30 | إسلام ويب

السؤال:
الأخوة المستشارون، الدكتور محمد عبد العليم، السلام عليكم.

أنا شاب أبلغ 30 من العمر، فيما سبق في عمر 24 كنت شعلة من النشاط والأمل والحيوية، مواظب على فرائضي، بل كنت حافظاً لكتاب الله وبفضله أقوم الليل.

بدأت مشكلتي منذ خمسة أعوام عند تخرجي من كليتي وبدء رحلة البحث عن اختصاص، خلالها عانيت الكثير من الضغوطات من امتحانات والتزامات، فشعرت بنقص في التركيز آنذاك وبعض الأفكار السلبية؛ إلا أنها لم تحبط من عزيمتي.

بدأت مسيرة تعديل الشهادة في إحدى الدول الأوروبية، -وبفضل الل-ه في ستة أشهر قبلت في أحد الاختصاصات، إلا أني شعرت بعدها باكتئاب شديد وعدم القدرة على التأقلم ومارست الأخطاء، وتزامن هذا مع رفض إعطاء ترخيص العمل لي، فعدت إلى بلدي، وهنا أول نوبة اكتئاب حقيقية تجاوزتها في ستة أشهر، ولكن ظل بعدها هناك عسر مزاج، أو تقلب مزاج إذا صح التعبير.

الحمد الله بعدها تخصصت في بلدي وسارت الأمور على ما يرام، وتعايشت مع عسرة مزاجي إلى أن تعرضت لصدمة عاطفية كبيرة منذ سنة ونصف، انهار معها كل ما أؤمن به من مبادئ وقيم، وأصبحت أصلي قليلا جدا تكاسلاً، تلاه فوراً عقد عمل في بلد عربي يتمناه أي طبيب، فلم أستطع التأقلم أيضاً وعدت لبلدي، بعدها بستة أشهر أيضا تقلص الاكتئاب بشكل كبير، ولكن أصبحت غير محافظ على الطاعات ولا حول ولا قوة إلا بالله، أصبحت أحس أني ذلك الإنسان القديم مرة واحدة في الشهر.

الآن يوجد ضغط فحوصات ومشاكل في بلدي فعاد الاكتئاب، قبل سنة ذهبت إلى أحد الاستشاريين فوصف لي: sertraline 50 mg 10 days then 100 mg for 1 month على أن أراجع بعدها، ولكن بعد الحبة الثانية شعرت بثقل شديد في العضلات وتيبس، وهو ما يتعارض مع الجراحة الدقيقة التي أقوم بها ويعيقها فلم أكمل العلاج.

أعراضي: لا مبالاة شديدة مزعجة، انعدام حافز وذهاب الطموح، خمول، أرق، كثرة نوم، كثرة أكل، أفكار انتحارية، وأنا بطبيعتي أتعرق بشدة وتوجد رجفة مع بعض الرهاب الاجتماعي، يوجد قصة عائلية للاكتئاب، وأنا غير متزوج.

فما هو أفضل العقاقير بالنسبة لحالتي، وكم علي أن أستمر بالعلاج، هل لفترة تفوق السنتين؛ خصوصاً فيما يتعلق بأول عرضين فهما مزعجان جداً: (اللامبالاة وانعدام الطموح)، وأنا مقبل على مفترق طرق بالنسبة للاختصاص العالي النوعي، هل أكتفي بالشيء العادي ولا أعرض نفسي للصدمات؟ فقد سئمت المحاولات والفشل، أم أحاول ولو أني قررت أنها ستكون المحاولة الأخيرة؟

أعتذر عن الإطالة، ولكن حسبي أن ذلك ضروري لوضع التشخيص المناسب، شكر الله لك.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ طارق حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فإني على قناعة تامة أنك موجود -والحمد لله- كإنسان بفكره وعقله ومقدراته المعرفية، ولك رصيد حقيقي من المكونات الجوهرية التي تساعدك في الإقدام على مستقبلك المهني والعلمي بإيجابية كبيرة.

الذي قصدته من كل هذا: حتى وإن حدث شيء لك من الإحباط وعسر المزاج الذي أضر بمقدراتك هذا أمر عابر ومؤقت؛ لأن جوهر الأمور موجود ولم يُفقد، فخبراتك ومعارفك وطاقاتك الفكرية هي في حالة من الركود والجمود ولم تزول، أنا أؤكد لك هذا.

فكن موضوعيًا في تفكيرك، ولا تدع أبدًا أي مجال للتشاؤم أو الفكر السلبي، هذه هي المشكلة مع الاكتئاب، يسيطر على الناس في عقولهم وكيانهم، يجعلهم ينظرون إلى الماضي بإحباط شديد والمستقبل بتشاؤم والحاضر بشيء من اليأس والسأم، لا، هذا الفكر يجب أن يُهزم، ومجرد استذكاره والوعي به في حد ذاته يعتبر خطوة إيجابية جدًّا من أجل تعديل السلوك.

يجب أن تأخذ بهذا الذي ذكرته لك، وهذا هو جوهر التغيير المعرفي الإيجابي الذي أجمع عليه علماء السلوك، وعلى رأسهم الدكتور (أرون بك) الذين رأوا أن التخلص من الفكر السلبي، هو البوّابة الرئيسية التي يستطيع الإنسان أن يدخل من خلالها لينشرح صدره، ويتحسن مزاجه ويقتنع بمقدراته وأدائه، ثم يُبدع وينفع نفسه وغيره.

أنا أريدك أيضًا أن تغير نمط حياتك -هذا مهم جدًّا-، فلا تكن مستكينًا ومستسلمًا لهذا الإحباط، يجب أن تضع جدولا زمنيا يوميا تدير من خلاله وقتك، وقتًا للدراسة، وقتًا للعمل، وقتًا للراحة، وقتًا للترفيه عن النفس، والعبادة لابد أن تكون في رأس أسبقيات الأمر. اشترط على نفسك أن تكون صلاتك مع الجماعة، اشترط هذا الشرط ولتكن لديك العزيمة ولا تساوم نفسك أبدًا، وبعد ذلك سوف تجد أن الأمور قد سهلت كثيرًا.

تلاوة القرآن، الدعاء والذكر سوف تأتي كمراحل تباعًا ولاحقة، ما دامت الصلاة قد صلحت، وما دامت الصلاة قد أُديت بالصورة الصحيحة، فهذا كله هو المطلوب منك في هذه المرحلة.

العلاج الدوائي مهم ومطلوب في حالتك، وأنا حقيقة تألمت لما انتابك من أعراض أو أفكار انتحارية، لكني أرى أنك لن تُقدم أبدًا على هذا الفعل السخيف والوخيم، والمسيء للإنسان في دنياه وفي آخرته.

أنت مسلم ويكفي هذا أن يكون واقيًا لك. والحياة طيبة وجميلة وإن أتتك هنات وزلات ونواقص اليوم فجوهرك إيجابي وقوي، ولا يمكن للإنسان أن يعامل ويتعامل ويحل مشكلة بمشكلة أخرى تكون أسوأ منها.

العلاج الدوائي المطلوب في حالتك: إن كنت صبرت على السيرترالين فهو دواء جيد وممتاز، لكن يظهر أنك لم تتحمله، بالرغم من قلة آثاره الجانبية، وأعتقد أنه لن يكون من الحكمة أن أنصحك أن تستمر عليه، لأن نوع من التباعد النفسي قد حدث بينك وبين هذا الدواء؛ لذا أرى أن عقار بروزاك -والذي يعرف علميًا باسم فلوكستين- سوف يكون هو الأنسب وهو الأجود، وهذا دواء مجدد للطاقات محسن للمزاج، وليس له آثار جانبية كالتي حدثت لك من السيرترالين.

المهم في الدواء -وأنت طبيب وتعرف ذلك- هو الالتزام بالجرعة ومدة العلاج؛ لأن البناء الكيميائي الصحيح لا يتأتى إلا من خلال ذلك.

ابدأ في تناول البروزاك بجرعة كبسولة واحدة في اليوم، وقوة الكبسولة هي عشرون مليجرامًا، تناولها بعد الأكل، وبعد أسبوعين اجعلها كبسولتين في اليوم، وهذه هي الجرعة العلاجية لحالتك. استمر على هذه الجرعة لمدة ستة أشهر، بعد ذلك خفضها إلى كبسولة واحدة في اليوم لمدة ستة أشهر أخرى، وهذه هي الجرعة الوقائية، بعد ذلك اجعلها كبسولة يومًا بعد يوم لمدة شهر، ثم توقف عن تناول الدواء.

إذن الطريق الآن أمامك واضح جدًّا، واجعل سقف طموحاتك عاليًا، وهو عال بالفعل، وأنا لا أرى أبدًا ما يمنعك من أن تتخصص في التخصص الذي ترغب فيه، الأمر يتطلب شيء من العزيمة واليقين والتفاؤل والتوكل، وكما تعرف أن التوكل هو عمل وأمل في المقام الأول.

لا شك أن تشخيص حالتك هو اكتئاب نفسي من الدرجة البسيطة إلى المتوسطة، وأرجو أن لا يشغلك التاريخ المرضي الأسري، نحن لا ننكر أهمية ذلك، لكننا نعتقد أن المعرفة والتصميم وتغيير نمط الحياة والتفكير الإيجابي هي المهمة والأهم والأفعل كسبب لإزالة كل نوبات الاكتئاب.

جزاك الله خيرًا، حفظك الله وتولاك، ونسأل الله لك التوفيق والسداد والشفاء والعافية.

www.islamweb.net