كيف يكون بر الوالدين في ظل شدتهما وصعوبة معاشرتهما؟
2026-01-07 00:49:00 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أنا شاب أعيش مع والديّ، ومتزوج ولي بنت وولد، وأنا طائع لوالديّ، لا أنقصهما شيئًا أبدًا، وأحضر لهما ما يريدان قبل أن ينطقا بحرف، ولا أغضبهما ولا أعصي لهما أمرًا.
لكن والديَّ صعبا المعاشرة جدًّا، ويعتديان عليَّ بالشتم في أبسط الأمور، وليس لديهما أي شفقة أو حنان معي أو مع أخواتي، ولم يبقَ في قلبي ودٌّ لهما، ولم أرَ منهما يومًا حنانًا، لكني بقيت معهما وأعمل لخدمتهما، غير أنني لم أعد أتقبلهما في داخلي، فهل سيحاسبني الله على ذلك؟
والله على ما أقول شهيد.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ Abo omar حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك ابننا الفاضل في الموقع، وشكراً لك على هذا السؤال الذي يدل على خير كثير في نفسك، وأرجو أن تستمر في برك لوالديك.
واعلم -أيها الابن الكريم- أن بر الوالدين طاعة لله -تبارك وتعالى- ولذلك ينبغي أن تتذكر أن الذي يجازي على هذا البر هو الله، ولأهمية بر الوالدين ربطه العظيم -سبحانه- بعبادته وبطاعته، قال تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً} هذا التلازم بين توحيد الله وعبادته وطاعته وبين بر الوالدين، جعل ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: "لا يقبل الله عبادة من لا يطيع والديه" واعلم أن صبرك على الوالدين مع الغلظة والشدة والقسوة، هذا هو البر الذي تكون درجته عالية، وإذا لم يصبر الانسان على والديه فعلى من يكون الصبر؟
لذلك نتمنى أن تستمر في البر، بل ندعوك إلى المزيد من البر، وأسعدنا أنك تلبي طلباتهم قبل أن ينطقوا الكلمات، وهذا دليل على أنك موفق، نسأل الله -تبارك وتعالى- أن يعينك على الاستمرار على هذا النهج، مهما حصل من الوالدين.
ونريد أن نذكرك بأن الله -سبحانه- بعد أن تكلم عن بر الوالدين حين قال: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً} قال بعدها: {ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفوراً}، قال العلماء: في الآية تعزية لمن يقوم بما عليه كاملاً، ومع ذلك لا يرضى الوالد، مع ذلك يجد القسوة، فالله تبارك وتعالى يغفر لهذا الإنسان ويسامحه، لذلك أرجو أن تنتبه لهذا المعنى العظيم، وهذه الآيات أرجو أن تعيد قراءتها في سورة الإسراء، وفهم معانيها.
أما ما ينقدح في نفسك، فاحرص على عدم إظهاره، وتعوذ بالله من شيطان يريد أن يصرفك عن هذه الطاعات الكبرى، التي وفقك الله -تبارك وتعالى- إليها، والإنسان عندما يتعامل مع الوالدين، ينبغي أن يشعر بهذا، فهو لا يتعامل مع زميل، أو مع أخ في عمره، هو يتعامل مع الوالدين، والمسلم -في كل الأحوال- لا بد أن يحرص على طاعتهم، حتى لو كان الوالد عاصياً لله، حتى لو كان مشركاً، يأمرك بالشرك، يأمرك بالكفر، هنا قال سبحانه: {فلا تطعهما}؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لكن والحالة هذه، قال بعدها: {وصاحبهما في الدنيا معروفاً}، وهذا يدل على أن حق الوالدين عظيم، فكيف إذا كان الوالد والوالدة من المصلين، من المؤمنين، سوى أن عندهم شيء من القسوة والتعامل الشديد؟!
ينبغي أن تتجاوز هذا الأمر، وطارد هذه المشاعر السالبة في نفسك، واجتهد في إخفائها؛ لأنها ما دامت خفية، وما دمت في الظاهر تبرهم، فهذا لا يضرك ولا يضرهم، ولكن أرجو أن تتجنب التمادي معها، حتى لا تتحول إلى عمل، وحتى لا تظهر في صوره تأفف {ولا تقل لهما أف}، وحتى لا تظهر في صوره تأخر في الاستجابة لطلبهما، لكن ما دامت في النفس، مجرد خواطر، فتعوذ بالله من شرها.
ولهذا لما نزل قوله تعالى: {لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بركوا على الركب، فقالوا: "أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا، بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)، قالوا: "سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير" فلما اقترأها القوم، وذلت بها ألسنتهم، أنزل الله في إثرها: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}، قال: قد فعلت {ربنا ولا تحملنا علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا} قال: قد فعلت {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا} قال: قد فعلت)). فهذا مما لا طاقة لك به، وهو معفو ومسامح فيه، ما دمت في الظاهر تبرهم، فطارد هذه المشاعر السالبة، وتعوذ بالله من شيطان يريد أن يحرمك من هذه المنازل العالية، وهذه الطاعة الغالية.
شكراً لك على هذا السؤال الرائع، ونسأل الله أن يثبتك، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد.