توفيت زوجتي ولا أعرف كيف أصارح أبنائي بالخبر.. أرشدوني

2026-01-13 03:15:02 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شيوخنا الأفاضل: جزاكم الله خيرًا.

توفيت زوجتي بحادث وهي تعبر الطريق الشهر الماضي، لديَّ ولدان يبلغان من العمر ستًا وثماني سنوات، كنت مغتربًا خارج البلاد عنهم لمدة ثلاث سنوات، ولم أرهم خلالها إلا شهرًا واحدًا، كانت العلاقة متوترة بيني وبين والدتهم طوال الوقت، وقد تركت المنزل قبل رجوعي بعد غياب سنوات، وطلبت الطلاق.

تركت الأولاد في بيت أهلي آخر فترة، وقد عانوا كثيرًا من غيابنا، وكانت تزورهم مرة كل أسبوعين أو ثلاثة في مدرستهم، إلى الآن لم يعلموا بخبر وفاتها، وأنا أنتظر كي أكون بجانبهم لأخبرهم بنفسي، أو من خلال متخصص، ولدي الأكبر متعلق جدًا بها، ويسأل عنها كل يوم، ولا أعرف ماذا أفعل.

نويت -والله الموفق- أن أذهب إلى بلدي لأحضرهم للعيش معي رفقة والدتي لمدة شهر، ثم أبحث عن زوجة.

جزاكم الله خيرًا، أخبروني كيف أتصرف في الفترة القادمة من حيث إخبارهم، ومن حيث زواجي، وكافة الأمور، على أن تكون اختياراتي في صالح صحتهم النفسية على المدى القصير والطويل.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركم على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا، ونسأل الله أن يتغمد زوجتك بواسع رحمته، وأن يربط على قلبك وقلوب أطفالك في هذا المصاب الجلل.

لقد قرأنا رسالتك بعناية، وفهمنا منها حجم التحديات التي تواجهها؛ فوفاة الزوجة في حادث مفاجئ، مع وجود تاريخ من التوتر الأسري، وغيابك الطويل عن أطفالك، كلها عوامل تجعل الموقف معقداً، ويتطلب حكمة بالغة في التعامل، وأود أن أحييك أولاً على شعورك بالمسؤولية، ورغبتك في أن تكون بجانب أطفالك في هذه اللحظات الفارقة، فهذا هو أول طريق الإصلاح.

إن قرارك بعدم إخبارهم عبر الهاتف، وانتظار لقائهم هو قرار حكيم جداً؛ فالأطفال في هذا العمر (6 و8 سنوات) يحتاجون إلى الأمان الجسدي، والاحتواء النفسي، عند تلقي مثل هذه الأخبار، ولفت انتباهي تعلق ابنك الأكبر بوالدته، وهذا يتطلب تدرجاً في الإخبار.

1. اختر وقتاً هادئاً بعد عودتك، وكن في مكان يشعرون فيه بالأمان، ويفضل أن يشاركك شخص يحبونه كجدتهم (والدتك).
2. لا تستخدم مصطلحات غامضة، مثل سافرت، لأنها تزرع أملاً زائفاً وانتظاراً مؤلماً، بل استخدم لغة بسيطة تناسب عمرهم، ماما كانت تعبر الطريق وتوفيت في حادث، والله اختارها لتكون عنده في الجنة؛ لأننا كلنا سنرجع إلى الله.

3. علمهم منذ اللحظة الأولى مفهوم الاسترجاع: (إنا لله وإنا إليه راجعون)، وأن الموت ليس نهاية بل هو انتقال لرحمة الله، استشهد لهم بقوله تعالى: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة: 155-156).

4. دعهم يبكون، واحتضنهم بقوة، وأجب على أسئلتهم بصدق وهدوء، وأكد لهم أنك لن تتركهم أبداً.

أخي الكريم: لقد غبت عنهم ثلاث سنوات، وهي فترة طويلة في عمر الطفل، لذا فإن التعويض النفسي أهم الآن من أي شيء آخر، يحتاج الطفلان لترميم صورتهما عنك كأب حاضر وداعم، خاصة بعدما عانوه من غيابكما المشترك، وتوتر العلاقة سابقاً، وعليك أن تدرك أنك الآن الأمان الوحيد المتبقي لهما، وهذا يتطلب تواجداً مكثفاً، وصبراً على نوبات غضبهم أو حزنهم المتوقع.

بخصوص نيتك الزواج بعد شهر من إحضارهم، اسمح لي أن أقف معك وقفة ناصح مشفق، من الناحية النفسية والتربوية، فإن شهرًا واحدًا هو مدة قصيرة جدًا، ولا تكفي لاستيعاب صدمة الفقد وبناء علاقة وطيدة معك، يحتاج الأطفال لفترة زمنية (لا تقل عن 6 أشهر إلى سنة في الغالب) ليعتادوا على غياب الأم، ويستقروا نفسياً معك، وإدخال زوجة أب في حياة أطفال فقدوا أمهم قبل شهر واحد، قد يُفسر لديهم كأنه استبدال للأم، مما قد يولد عداءً شديداً تجاه الزوجة الجديدة وتجاهك أنت أيضاً.

• ركز في الأشهر الأولى على استعادة دورك كأب، واستعن بوالدتك (جدتهم) فهي الحضن الدافئ البديل حالياً، وعندما تشعر أنهم استعادوا توازنهم النفسي، وبدؤوا يثقون في استقرار حياتهم معك، عندها ابدأ في خطوة الزواج، مع اختيار زوجة تتسم بالصبر والقدرة على احتواء أطفالك، ولتكن نيتك في ذلك إعفاف نفسك، وإيجاد حضن صالح لأبنائك، كما قال النبي ﷺ لجابر بن عبد الله رضي الله عنه، حين تزوج ثيباً لترعى أخواته: "فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك"؟ فأخبره جابر بظرفه وأنه أراد من تجمع شمل أخواته، فأقره النبي على ذلك.

خطوات عملية للمرحلة القادمة:

1. اجعل الشهر الأول في بلدك شهر استماع واحتواء، العب معهم، احكِ لهم قصصاً، وكن قريباً من تفاصيل يومهم.
2. أشرك الأطفال في عمل صدقة جارية لوالدتهم (كسقي ماء، أو تبرع بسيط)، فهذا يحول حزنهم إلى فعل إيجابي، ويربطهم ببر والدتهم بعد موتها.
3. يمكنك زيارة قبر والدتهم، والدعاء لها بصوت مسموع، وهم يؤمنون على دعائك، ولا تمنعهم من البكاء، وبعد أن ترجعوا للبيت، أو وأنتم في طريق العودة بين لهم بأن هذا الدعاء يصل إلى والدتهم كهدية مقدمة منهم ومنك، وبأنك قد سامحتها على أي أخطاء حصلت بينكما، فهذا يشعرهم بالانسجام الإيماني في مراسم الحزن والعزاء، وهذه الخطوة تهدف إلى الوداع الآمن للأم بالنسبة للأطفال.
4. نظراً لتعلق ابنك الأكبر الشديد بوالدته، قد يكون من المفيد جداً زيارة أخصائي نفسي للأطفال لمرة واحدة على الأقل، لإرشادك حول كيفية التعامل مع ردات فعله، خاصة وأنه مر بظروف غياب سابقة.
5. تذكر أن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فاستعن بالله في تربيتهم، وتذكر أن بناء نفسية أطفالك من جديد هو جهادك الأكبر حالياً، وسوف تجني ثمرته برّاً وسكينة في المستقبل بإذن الله.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل، وأن يرحم زوجتك ويجعل قبرها روضة من رياض الجنة، ويحفظ لك ذريتك وينبتهم نباتاً حسناً.

والله الموفق.

www.islamweb.net