قسوة الوالدين أدت إلى تقصيرنا في برهم، فكيف نعالج ذلك؟
2026-01-13 22:59:10 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أنا فتاة نشأت في عائلة لا تعرف من الدين إلا الصيام والصلاة، ولم يشجعوني منذ طفولتي على الالتزام بهما، كنت منذ صغري أستجيب لأوامر والديّ دون شكوى، حتى وإن تعارضت مع رغبتي؛ فإن قالوا لي: "ارتدي هذا الثوب، فهو أجمل"، ارتديته وإن لم أكن أحبه، وإن قالوا: "اقطعي صلتك بأصدقائك"، فعلت، وإن طلبوا مني أن آكل شيئًا أو أدرس تخصصًا معينًا، استجبت دون نقاش.
عندما بلغت السادسة عشرة من عمري، بدأت أُعبّر عن رأيي فيما أحب وما أكره، فعلى سبيل المثال: حين صرّحت برغبتي في ارتداء الحجاب، عارضوني بشدة، لكنهم تقبلوا الأمر لاحقًا، كنت أحب مصادقة الفتيات الصالحات المنتقبات، لكنهم فصلوني عنهن، ومع مرور الأيام، بدأت ألاحظ عيوبًا كنت أغفل عنها في صغري، أو ربما ازدادت مع تقدمي في السن.
أهلي، إن مرضتُ أنا أو إحدى أخواتي، يغضبون من دفع أي مبلغ، حتى لو كان بسيطًا، في مصاريف العلاج، ويظلون يكررون ذكر المبلغ ويُعيّروننا بمصاريف أساسية كالدراسة والطعام والعلاج، حتى الملابس، تشتري والدتي لنفسها كل شهر، بينما قد تمر علينا سنوات دون شراء أي ملابس رغم حاجتنا، وتدّعي سوء الحالة المادية، مع أن وضعنا المالي -والحمد لله- جيد بما يكفي لشراء الكماليات.
يتكرر هذا الوضع باستمرار، ويُعيّروننا بمصاريف علاجنا، ويبخلون علينا بكل جنيه، خصوصًا أن أختي الصغيرة تعاني من مشاكل صحية، لكنهم يغضبون ويرفضون علاجها إذا تطلب الأمر دفع مبلغ، بل ويكذبون الأطباء بشأن حالتها.
طلبت ارتداء الخمار منذ ثلاث سنوات، لكنهم يكرهونه بشدة، ويكرهون صحبتي للصالحات. يكثرون من الصراخ علينا منذ طفولتنا، وشخصيتي هشة، لذا قد أرتعش وينهار جسدي من أقل نقاش معهم في هذه الأمور.
طلبت منهم السماح لي بالعمل لتغطية احتياجاتي، فرفضوا، ومع ذلك يبخلون عليّ في مصاريف الدراسة والعلاج، حتى في حالة نزلة برد بسيطة.
والدي يسيء معاملة قطتي بضرب قاسٍ جدًا، وقد طفح بي الكيل، وبدأت أغضب وأصرخ عليهم، ومهما حاولت معاملتهم بالحسنى، أدخل في حالة اكتئاب شديدة بسببهم.
وقبل أن أعرف الله وأتقرب إليه، حاولت الانتحار والهروب من المنزل، منذ أن كنت في التاسعة وحتى السابعة عشرة من عمري، حوالي ست مرات، لكنها كلها باءت بالفشل، وهم يتحدثون عني بالسوء في العائلة كلها، حتى أصبحت منبوذة بينهم.
سؤالي هو: هل يُعد غضبي منهم، أو عدم قدرتي على الحديث معهم بهدوء ولين، عقوقًا في هذه الحالة؟ وبماذا تنصحونني؟ لأنني وإخوتي لم نعد نتحمل، وأصبح البقاء معهم في منزل واحد همًّا كبيرًا علينا.
جزاكم الله كل الخير.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ملك حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلاً بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يحفظك، وأن يرعاك وبعد:
فقد تفهمنا حديثك جيدًا، ونريد منك أن تقرئي جوابنا من خلال ما يلي:
أولًا: الواقع الذي تعيشينه هو واقع أسرة تقوم بالعلاقة مع الأبناء على الطاعة أكثر من الحوار، وعلى السيطرة أكثر من الاحتواء، مع وجود بعض الشحّ المالي، وعلى صراخ متكرر، ومنع لبعض المباحات المشروعة، وهذا كلّه يخلق بيئة ضاغطة وهذا ما فهمناه منك، لكن وفي الوقت نفسه لا يصح شرعًا أن نختزل الوالدين في صورة الظالم المطلق، أو العدو؛ لأنهم -ومن وصفك- يقومون ببعض الواجبات الأساسية، ويقعون كما ذكرت في بعض الأخطاء المتمثلة في الأسلوب، لا في أصل الأبوة أو الأمومة.
هذا التوصيف المتوازن مهم جدًا؛ لأن تضخيم الصورة أو شيطنتها، يدفع غالبًا إلى قرارات انفعالية تضرّك أكثر مما تنفعك.
ثانيًا: غضبك متفهم في سياق ما ذكرت، لكن ليس كل غضب ولا كل انفعال يُعدّ عقوقًا؛ لأن العقوق في ميزان الشرع هو الإيذاء المتعمّد، أو الإهانة، أو القطيعة، أو التشفّي، أو ترك الحقوق الواجبة بلا سبب، لكن في الوقت نفسه لا يصحّ أن يتحوّل الغضب إلى أسلوب رديء في للتعامل؛ لأن ذلك لا يُصلح، بل يزيد حدة الصراع، ويرهقك نفسياً، ويجعل صورتك أضعف في نظر من أمامك، فأنت لا تتعمّدين الإهانة، بل تنفجرين حين يفيض الكبت، وهذا يحتاج إلى هدوء وتفهم وتنفيس، وتقويم، حفاظًا عليك، لا إدانة لك.
ثالثًا: القاعدة الشرعية واضحة، لكنها تحتاج تنزيلًا حكيمًا، فطاعة الوالدين واجبة في المعروف، ولا طاعة في معصية، ولا في أمر فيه ضرر محقّق، ومع ذلك يبقى البرّ والاحترام واجبين دائمًا بلا عوض، بمعنى أن البر لا يقابل بإحسان الوالدين، ويغيب بعدمه، بل هو واجب أحسنا أم لا.
وفي حالتك، التزامك بالحجاب طاعة لله لا يجوز منعك منها، وطلبهم منعك من الخمار، أو من الصحبة الصالحة ليس طاعة واجبة، لكن طريقة التعامل مع هذا الرفض لا تكون بالصدام، ولا بالتحدي، بل بالثبات الهادئ والتدرّج والحوار الذي يطمئنّ قلوبهم؛ لأن الهدف ليس الانتصار في معركة، بل حفظ الدين والنفس معًا، والشرع لا يطلب منك أن تكسريهم، ولا أن تكسري نفسك، بل أن تسلكي أهدى الطرق.
رابعًا: الخلل الأكبر ليس في أخطائهم كما ذكرت، بل في طريقة إدارة الصراع الحالية، فالمواجهة المباشرة مع أشخاص، لا يحتملون الحوار غالبًا تؤدي إلى انفجار، والصراخ مع شخصية مسيطرة يزيد التصلّب لا التراجع، والانهيار المتكرر ومحاولة تغيير كل شيء دفعة واحدة لا يأتي بنتيجة محمودة، وعليه فلابد من تغيير الأسلوب الحالي؛ لأنه يزيد الفجوة.
خامسًا: أول ما تحتاجينه هو إيقاف الصراخ، لا خوفًا من وصف العقوق وفقط، بل حفاظاً كذلك على طاقتك النفسية؛ لأن الصراخ يستنزفك ولا يغير واقعًا، ويجعلك أنت الخاسر الأكبر، لذا عليك بما يلي:
- الاقتراب منهم، ومحاولة فهمهم أكثر، مع إظهار المحبة والود، فهذا يقرب المسافات، ويرضي رب الارض والسموات.
- عند المشكلة تعلّمي الانسحاب الهادئ عند بداية النقاش، بدل الاستمرار حتى الانهيار، فهذا انسحاب حكيم، اعتمدي أسلوب الحدّ الأدنى الآمن في الحوار، فلا تفتحي نقاشات طويلة في أمور تعلمين مسبقًا أنها ستتحوّل إلى صدام، واستخدمي عبارات محايدة تقلّل الاحتكاك دون كذب أو استفزاز.
- احفظي دينك بهدوء دون إعلان معركة، فالثبات الصامت أحيانًا أقوى من ألف جدال، وكثير من الآباء يلينون مع الزمن، لا مع التحدي.
- تذكري دائماً أن القرب من الأهل عبادة، حتى مع وجود التقصير منهم، فقد قال صلى الله عليه وسلم «لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنَّ الْوَاصِلَ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا»، وهذا الحديث يضع ميزانًا دقيقًا، الفضل ليس في ردّ الجميل، بل في الإحسان عند المشقّة.
نسأل الله أن يحفظك بحفظه، وأن يبارك فيك، وأن يعينك على بر والديك، والله الموفق.