بين العمل وأداء العبادات .. كيف يتم التوفيق؟

2026-02-03 02:57:49 | إسلام ويب

السؤال:
هل ترك العمل واجب إذا تعارض مع القيام بالعبادات في ظل الظروف الراهنة من غلاء المعيشة؟

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ تغريد حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -أختنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، نشكر لكِ تواصلك بالموقع، وحرصك على معرفة حدود الله تعالى وأحكامه، ونسأل الله تعالى أن ييسر لنا ولكِ الخير كله.

لا شك -أيتها الكريمة- أن المقصود الأعظم الذي من أجله خلق الله -سبحانه وتعالى- هذا الإنسان هو القيام بعبادته سبحانه، كما قال جل شأنه في كتابه الكريم: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}.

ولكن العبادة معناها واسع كبير، والعمل جزء من العبادة إذا كان عملًا مباحًا، وكان صاحبه يقصد به إعفاف نفسه وإعفاف من تلزمه نفقته، فإنه إذا فعل ذلك بهذه المقاصد والنيات فإن عمله عبادة أيضًا.

وهذه الدنيا ركبها الله -سبحانه وتعالى- ومزج فيها التكاليف المرتبطة بتعمير الدنيا والتكاليف المطلوبة لتعمير الروح وإصلاحها استعدادًا للدار الآخرة، والمسلم والمسلمة مأمور بأن يتجاوز هذا الاختبار والامتحان بالتوازن والاعتدال بأن يعطي كل جانب حقه.

ومن رحمة الله سبحانه بنا أنه جعل ديننا سهلًا يسيرًا، ورفع عنَّا فيه الحرج والضيق، فقال سبحانه وتعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}، وقال: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ}، وقال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}.

ومن مظاهر هذا التوازن في ديننا والتيسير ورفع الحرج: أن الله -سبحانه وتعالى- يسَّر وقلَّل التكاليف الشرعية المطلوبة من الإنسان، كصلاةٍ، وصومٍ، وحجٍ وعمرةٍ لمن قدر عليهما، وزكاةٍ لمن ملك المال، ونحو ذلك من العبادات، فهي عبادات سهلة ويسيرة، ولا نظن أن القيام بهذه العبادات يَحُول بين الإنسان وبين كسب رزقه والعمل من أجل إعفاف نفسه، وتحصيل حاجاته.

ولهذا كله نرى بأن هذا السؤال فيه قدر كبير من الافتراض وعدم الواقعية، وعدم التوافق مع ما جاء في الشريعة الإسلامية من أحكام وتوجيهات، فالعمل الذي يقصد الإنسان من ورائه تحصيل قُوتِه مطلب شرعي، والشريعة تنظر إليه وتأمر بالأحكام المتوافقة مع تحصيل هذا المقصود.

فلا نتصور أن توجد صورة يعجز فيها الإنسان عن القيام بدينه من أجل العمل، اللهم إلَّا في حالات نادرة جدًّا؛ لأنه بحكم الشرع مكلف بأن يصلي الصلوات مثلًا، فإذا جاء وقت الصلاة وهو في العمل كُلِّف بأن يُؤدِّي الصلاة ثم يُواصل عمله، والصلاة هذه لا تأخذ منه سوى دقائق خمس أو ست دقائق.

ولكن لو فُرض أنه في حالة حرجة ولا يستطيع أن يصلي كل صلاةٍ في وقتها بسبب نوع عمله مثلًا، فقد رخصتْ له الشريعة في أن يجمع بين الصلاتين: الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء؛ كما قال به كثير من الفقهاء.

ومن ثم نرى بأن وضع السؤال بهذه الطريقة العامة لا يصلح أن يجاب عنه بالنفي أو الإثبات، فالأصل أن الإنسان مطالب بأن يوافق بين المطلوبات الشرعية منه، ولكن إذا حصلت حالة خاصة يتعذَّر فيها على الإنسان القيام بالفريضة المعينة فينبغي حينها أن يسأل عن هذه الصورة بعينها ليبيَّن له المخارج الشرعية في كيفية تجاوز هذا الضيق، وما هو المخرج الشرعي للتعامل مع هذه الحالة الخاصة.

فالأصل في شريعتنا ولله الحمد التيسير؛ لهذا نرجو -إن شاء الله- أن تكون الأمور لديكِ واضحة بعد هذا الجواب، ولكن إذا كانت هناك حالة خاصة مستشكلة لديكِ فنحن في انتظار تساؤلاتك لنوافيكِ بما نقدر عليه -إن شاء الله- من التوجيه.

نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكِ لكل خير.

www.islamweb.net