أقع في المعاصي ثم أتوب، فهل هذا دليل على عدم محبة الله؟

2026-01-14 03:45:51 | إسلام ويب

السؤال:
أشعر أنني مذنبة بسبب كثرة الذنوب التي أقع فيها، لا أرتدي الحجاب الشرعي، وأحيانًا أنام كثيرًا وأغتاب، لكنني أندم بعدها وأستغفر، وأحيانًا من غير قصد قد أكون عاقّة، لكنني لا أشعر بذلك إلا لاحقًا، ذنوبـي كثيرة جدًا، ومع ذلك أحب الله حبًا شديدًا، وأكره نفسي؛ لأنني أعصيه، لكنني رغم ذلك أحبه، بدأت أقترب منه أكثر، فأصبحت أصلي كل يوم قيام الليل بسورة البقرة، وأواظب على أذكار الصباح والمساء.

أحاول وأحاول، لكنني لا أستطيع أن أكون بلا ذنوب، أدعو الله أن يهديني، وأن يرزقني حبه والتوبة، وأترجاه أن يحبني، هل يمكن أن يحبني رغم معاصيّ؟ فأنا أعصيه، ومع ذلك أدعوه أن يهديني ويحبني، ثم أدعو بعد ذلك بأمور دنيوية، فهل أكون بذلك أنانية أو جريئة؟

وإذا سألت الله التوبة، وأنا أعلم أنني قد أعود غدًا لنفس الذنب، هل يكون ذلك حرامًا؟ أخاف أن أموت على هذه الحال، وأخاف أن أموت وهو غير راضٍ عني.

أما موضوع النميمة والغيبة، فقد قللته كثيرًا عن السابق، لكن أحيانًا من غير قصد أنسى وأعود إليه.


الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سالي حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -ابنتنا الكريمة- في موقعك استشارات إسلام ويب، وجوابي لك كالآتي:

أولًا: المخرج من الذنوب الكثيرة هو التوبة إلى الله تعالى، التوبة النصوح، قال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [التحريم:8] والتوبة النصوح شروطها ثلاثة: الإقلاع عن المعصية، والندم على ما فات، والعزم على عدم العودة إلى المعصية.

ثانيًا: بالنسبة للحجاب الشرعي، فهو من جملة الأوامر الشرعية التي أمر الله بها المؤمنات، قال تعالى:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) [الأحزاب:59] وجاء الشرع بالنهي عن التبرج، فقال تعالى: (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) [الأحزاب:33]، وجاء في السنة من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان) (رواه الترمذي).

وكذلك ورد الوعيد الشديد لمن تركت الحجاب وخرجت متبرجة سافرة، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (صنفان من أهل النار لم أرهما: رجال بأيديهم سياط يضربون بها الناس ظلمًا، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها) (رواه أحمد).

ثالثًا: ابنتنا الفاضلة، كونك تحبين الله تعالى وتكرهين المعاصي، فهذا علامة الخير والإيمان في قلبك المتنور بنور الإيمان، فلا تيأسي من رحمة الله وفضله وكرمه، ولو وقعتِ في المعاصي، فالتوبة تجب ما قبلها.

ومشكلتك التي تبحثين عن حل لها -وهي أنك في أغلب الحالات تتوبين إلى الله تعالى وتستغفرينه ثم سرعان ما ترجعين إلى الذنوب- جوابها: أنه مهما ابتُلي الإنسان بمعصية، فإنه بمجرد التوبة النصوح يتوب الله عليه، وكلما أحدث الإنسان ذنبًا أو معصية أحدث لها توبة، قال تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور:31] وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم" (رواه مسلم).

ومهما كانت ذنوب الإنسان فإن عفو الله تعالى أعظم، قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر:53]، وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) [الشورى:25]، وقال صلى الله عليه وسلم: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" (صحيح ابن ماجه).

رابعًا: الدعاء بأمور دنيوية جائز، وليس معناه أن فيك أنانية، بل المؤمن يدعو الله بخيري الدنيا والآخرة، وأعظم دعاء هو المشتمل على الدين والدنيا، قال تعالى: (وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار) [البقرة:201].

خامسًا: أما الغيبة فهي ذكرك أخاك بما يكره من العيوب، وهي فيه، فإن لم تكن فيه فهو بهتان، كما ورد ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. والغيبة محرمة بالكتاب والسنة والإجماع، وعدها كثير من العلماء من الكبائر، وقد شبّه الله تعالى المغتاب بآكل لحم أخيه ميتًا، كما قال تعالى: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ) [الحجرات:12].

واعلمي -ابنتنا الكريمة- أن الغيبة في الآخرة عظيمة عقوبتها، فاحذريها، وأسباب الغيبة كثيرة: من الحسد، واحتقار الآخرين، والسخرية، ومجاراة رفقاء السوء، فاحذري الغيبة وأسبابها، ويكون علاجها بتذكر قبح هذه المعصية وعقوبتها الوخيمة، ولو لم يكن إلا سلب الحسنات في الآخرة من قبل من اغتبناهم.

أما النميمة فهي السعي للإيقاع في الفتنة بنقل الكلام بين صديقين أو زوجين لإفساد ما بينهما، سواء كان ما نُقل حق أو باطل، صادق أو كاذب، وسواء قصد الإفساد أو لم يقصد، فإن النميمة من كبائر الذنوب، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على قبرين فقال: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، ثم قال: أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنزه من البول" (متفق عليه).

سادسًا: ابنتنا الكريمة التائبة، أحسني ظنك بالله تعالى، فسيهديك ويمنّ عليك بالخير، وإن شاء الله تحصلين على محبته وهدايته وتوفيقه، فعلّقي قلبك بربك الكريم الرحيم.

وفي الأخير أسأل الله أن يتوب عليك، وأن يحبب إليك الإيمان، ويوفقك لكل خير، ويعصمك من كل شر، اللهم آمين.

www.islamweb.net