ابتليت بالشلل ولدي رغبة في الزواج، فما توجيهكم؟

2026-02-02 23:41:43 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شابٌّ حافظٌ لكتاب الله، في أوائل الثلاثينيات من عمري، والحمد لله، ابتُليتُ بحادثٍ منذ قرابة خمس عشرة سنة أدّى إلى شلل الطرفين السفليين (فقدان كامل للإحساس والحركة).

بعد الحادث كان الاهتمام منصبًّا على التعافي واستعادة القدرة على أداء معظم الأنشطة بصورة مستقلة، وبعد استقرار الحالة عادت إليّ الرغبة في الزواج.

وقد قابلتُ أناسًا من مدن أخرى لهم إصابات مشابهة لإصابتي، وهم متزوجون ولديهم أطفال عن طريق الحقن المجهري، فقررتُ مراجعة الطبيب، فأخبرني أنّ لديَّ فرصة للزواج باستخدام بعض العلاجات والأدوية الطبية، وأمَّا الإنجاب فيعتمد على عملية لاستخراج وتجميد الحيوانات المنوية.

والآن بعدما رزقني الله بالمال الذي أستطيع به كفاية مَن أعول، أرغب في خطبة إحدى الفتيات ذات دين وخلق، منتقبة ومطلقة، غير أنّ المكان الذي نعيش فيه يرى أنّه لا فرصة لي في الزواج، باعتبار أنّ المشلول عبءٌ على من حوله، وليس لديه مقوّمات النكاح والإنجاب.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ ممدوح .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أخي الكريم- في موقع استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يربط على قلبك، ويشرح صدرك، ويكتب لك الخير حيث كان، وأن يجعل لك من أمرك رشدًا ونورًا.

سوف نجيبك من خلال ما يلي:

أولًا: الابتلاء في ميزان الإيمان ليس علامة نقص، ولا عنوان حرمان، بل قد يكون بابًا من أبواب القرب، ووسيلة لتهذيب النفس، ورفع المقام، قال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾، فالأنفس تبتلى كما تبتلى الأموال، غير أن العبرة ليست بوقوع البلاء، وإنما بكيفية التعامل معه التماسًا للأجر من الله تعالى، وما وصلت إليه من صبر واعتماد على النفسـ واستقامة في الدين، يدل على أن الابتلاء أدى وظيفته التربوية ولم يكسر إرادتك، وهذا في حد ذاته نعمة عظيمة.

ثانيًا: من الأخطاء الشائعة اختزال الرجولة في القدرة الجسدية، مع أن الشرع جعلها في تحمل المسؤولية والقيام بالواجب وحسن الرعاية، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، والقوامة هنا قائمة على النفقة والرعاية والحكمة لا على القوة البدنية المجردة، وقد يملك الإنسان جسدًا صحيحًا ويعجز عن القوامة خلقًا أو دينًا، بينما يحققها آخر مبتلى بما آتاه الله من وعي وثبات والتزام.

ثالثًا: رغبتك في الزواج دليل فطرة سليمة وحياة قلب، وليست طمعًا ولا مغامرة غير محسوبة، وقد حض الشرع على الزواج وجعله بابًا للعفة والاستقرار، وقال النبي ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَّوَّجْ»، والاستطاعة كما قررها أهل العلم أوسع من مجرد القدرة البدنية، فهي تشمل النفقة وتحمل التبعات النفسية والاجتماعية، وهي متحققة في حالتك بحمد الله.

رابعًا: الخلط بين الزواج والإنجاب من أكثر أسباب التوتر في مثل حالتك، فالإنجاب ثمرة محتملة وليس شرط صحة للزواج، قال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾، ومع وجود أسباب طبية مباحة، يبقى القلب معلقًا بالمسبب لا بالسبب، والواجب هو الصدق والوضوح حتى لا تبنى الحياة على أوهام أو توقعات غير منضبطة.

خامسًا: البيئة التي ترى المبتلى عبئًا تحتاج إلى تصحيح لا إلى استسلام، غير أن التصحيح لا يكون بالصدام ولا بالجدل الطويل، بل بالعرض الهادئ للواقع، وباختيار من يملك الاستعداد النفسي لفهم خصوصية الحال، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ»، فكلما كان الطرح أهدأ وأصدق كان أوقع وأقرب للقبول.

سادسًا: التركيز على الدين وحده دون النظر إلى الوعي والقدرة على استيعاب الابتلاء قد يورث مشقة لاحقة، فليست كل صالحة مؤهلة لهذا النمط من الحياة، والموفقة من تجمع بين الدين والبصيرة وسعة الصدر، قال النبي ﷺ: «فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ»، والدين هنا يشمل حُسن الفهم وحكمة التعامل مع الأقدار.

سابعًا: من الحكمة الاستعانة بوسيط عاقل يعرفك ويعرف الطرف الآخر، ويعرض الأمر بصدق دون إخفاء ولا تضخيم، مع تقديم تصور واضح للحياة اليومية وحدود الاستطاعة، والإكثار من الاستخارة والدعاء، قال النبي ﷺ: «إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ»، فالقلب إذا تعلق بالله سكن وإن تأخر الجواب.

وختامًا: لست خارج دائرة الزواج، ولا على هامش الحياة، بل في قلبها ما دمت قائمًا بالحق وبما تستطيع، ومن صدق مع الله صدق الله معه، ونسأل الله أن يهيئ لك زوجة صالحة تكون لك سكنًا ورحمة، وأن يجعل ابتلاءك سببًا لفتح أبواب لم تكن تخطر ببالك، وأن يعوضك خيرًا كثيرًا في دنياك وأخراك، والله الموفق.

www.islamweb.net