إدمان الإباحية ضيع فرصي في التفوق وتحقيق أحلامي، فما الحل؟
2026-02-24 02:43:36 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إذا كان الإنسان يكره نفسه وحاله بسبب أخطائه ومعاصيه التي أدّت إلى ضياع فرصٍ وخسارة أمورٍ دنيوية، فهل يُعدّ ذلك من السخط على قدر الله؟ بمعنى آخر: هل كانت هذه الفرص ستضيع بغضّ النظر عمّا فعله؟
كنتُ طالبًا متفوّقًا طوال المراحل الدراسية الأساسية، ولكن في العام الأخير (الثانوية العامة) أدّى إدماني للإباحية وأحلام اليقظة إلى ضعفٍ في ذهني، فحصلت على مجموعٍ ضعيف، مما حال دون دراسة التخصّص الذي كنت أريده، وأدّى بطبيعة الحال إلى خيبة أمل أهلي بسبب نتيجتي، ودخولي كلية لا أحبّها ولا أرى لها قيمة.
أشعر بالاكتئاب بشكلٍ دوري لأسباب عدّة، منها:
- الإحساس بالضياع لعدم وجود مجالٍ واضحٍ أعمل فيه مستقبلًا.
- شعوري بأنني عديم القيمة، وأنني مجرّد عالة على أهلي، ولا فائدة من وجودي.
- إدماني الذي أوصلني إلى ما أنا فيه.
- رؤية غيري في مهنٍ ومجالاتٍ ذات قيمة حقيقية مثل الطب والهندسة.
- إحباط أهلي وتذكّر المجهود الذي بذلوه من أجلي.
- عيوبي الشخصية، مثل عدم القدرة على التحدّث بوضوح، فضلًا عن الرهاب الاجتماعي.
أتمنّى لو كان الانتحار مباحًا، وأحيانًا أرغب في ترك المنزل والجلوس في الشارع بلا طعام حتى أموت، أعتبر نفسي المسؤول الوحيد عمّا حصل، ولا أرى أنّ الأمر كان ابتلاءً، فهل إذا قطع الإنسان ذراعه يحقّ له أن يقول: لقد ابتلاني الله بأن أكون بلا ذراع؟! بالطبع لا.
أعتذر كثيرًا عن الإطالة، وجزاكم الله خيرًا.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع.
ونحن نرى أول العلامات والدلائل الدالة على حسن تناولك للأمور، وجودة تفكيرك وتحليلك، أنك تحمل نفسك مسؤولية ما أصابك، وهذا إنصاف منك لربك ومعرفة بعدل الله تعالى، وأنه -سبحانه وتعالى- لا يضع شيئًا إلَّا في موضعه.
ولكن نحن نرى أنك قد أفرطت جدًّا في لوم نفسك وحمَّلتها فوق طاقتها، والأمر بخلاف هذا كله، وليس هذا كلامًا نقوله فقط للتنفيس عنك، ولكنها الحقيقة التي صرَّح بها القرآن وأخبرنا بها رسولنا الكريم ﷺ، وهي أن كل شيء بقضاء وقدر، وأن ما أصاب الإنسان فإن الله تعالى قد كتبه عليه قبل أن يخرج إلى هذه الدنيا، ولكن تتهيأ الأسباب لذلك القدر فيتحقق.
وإيمان الإنسان بقدر الله تعالى السابق وأنه قد كتب -سبحانه وتعالى- مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة -كما جاء في الحديث النبوي ((كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ))-، إيمان الإنسان بهذا يخفف عنه ما قد يصيبه من إحباط كالذي أصابك أو يأس.
وقد عزَّانا الله تعالى في ما ينزل بنا من المصائب بما يخفف عنا حسرات الفوت، فقال سبحانه: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ}، فيخبرنا -سبحانه وتعالى- أن كل شيء بقضاء الله وقدره، فلا نحزن إذا فاتنا شيء، ولا نبالغ في الحزن، وفي المقابل لا نبالغ في الفرح حتى نصاب بالأشر والبطر إذا أصابتنا نعمة، فكل ذلك بقدر الله.
وهذا لا يعني إعفاء الإنسان من مسؤولية بقدَرٍ ما، فهو المتسبب، ولكن كن على ثقة -أيها الحبيب- من أن الله سبحانه أرحم بك من نفسك، وأنه سبحانه ربما قدَّر عليك هذا القدر لتحصل لك هذه اليقظة التي أنت فيها الآن، ويحصل لك هذا الانتباه الذي به تُؤنِّب به نفسك على ما وقع منك من خلل وخطأ، فتُصحح المسار، وترجع إلى الطريق الموصل إلى الله تعالى، وتعرف خطأك، فتكون هذه المصيبة التي أصابتك هي في حقيقتها نعمة ومنحة من الله تعالى.
والخسارة -أيها الحبيب- ليست الخسارة الدنيوية فقط، فالمؤمن ينظر إلى الحياة بشكل أعمق، فهو يؤمن بأن هذه الحياة ما هي إلَّا مرحلة قصيرة جدًّا مقارنة بالحياة التي بعدها، فالفوز الحقيقي هو الفوز في تلك الحياة، وهذا يعني أن ينتبه الإنسان في هذه الدنيا وفي مراحل حياته فيها، إلى تحقيق الغاية التي من أجلها خلقه الله تعالى.
أمَّا رزقك فإن الله تعالى سيتكفل برزقك، فقد قال سبحانه: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}، فإذا سُدَّ باب فسيفتح الله لك أبوابًا، واعلم أنه -سبحانه وتعالى- يُقدِّر لك الخير وإن كان في رأيك وظنك أنه المكروه، كما قال سبحانه في كتابه الكريم: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ}.
فنصيحتنا -أيها الحبيب- أن تنظر إلى الحياة بنوع من التفاؤل، وتُحسن ظنك بالله تعالى، وتعلم أنه ما أصابك بهذه المصيبة إلَّا لمصلحتك ولتحدث أثرًا في نفسك.
أمَّا الرزق فإنه سيأتيك، ما قد قُدِّر لك فإنه سيأتيك، وكم ممن امتهنوا هذه المهن التي تظنها أنت مهنًا دارّة للأرزاق، وهم يعانون مع ذلك من أنواع من الفقر والحاجة والعوز، وكم من إنسان لم يمتهن شيئًا من ذلك فتح الله تعالى أمامه أبواب الرزق بأسباب كثيرة، فلا تسمح للشيطان أن يسيطر عليك ويُدخل الحزن إلى قلبك.
احمد الله -سبحانه وتعالى- كثيرًا أنه أيقظك، وعرَّفك أنك أخطأت الطريق، وأنك بحاجة إلى الرجوع والمراجعة وتصحيح المسار، وتوجه إلى الله -سبحانه وتعالى- وخذ بالأسباب الممكنة من أسباب الرزق، واعلم أن ما قد كتبه الله تعالى لك من الرزق سيأتيك، وأهم هذه الأسباب التوبة والاستغفار كما أخبر الله تعالى به في كتابه.
فكونك ترجع إلى الله وتتوب من ذنبك هذا، ومن الإدمان على المحرم خير لك (والله) وأنفع بملايين المرات مما لو فُتحت أمامك أبواب الدنيا، وكنت مستمرًا على ما أنت عليه من الخطأ، فاحمد الله تعالى الذي نبهك وأيقظك، واطلب رزقه بالطرق المباحة، واعلم أنه -سبحانه وتعالى- لا يعجزه شيء فهو الكريم الوهاب، توجه إليه وأكثر من دعائه واستغفاره، وابحث عن أسباب رزقك وصحح مسارك، وستجد الخير بإذن الله.
نسأل الله تعالى لك التوفيق والسداد.
_____________________________________________
تمت إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي -مستشار الشؤون الأسرية والتربوية-،
وتليها إجابة الدكتور/ مأمون مبيض -استشاري الطب النفسي-.
_____________________________________________
نرحب بك (بُني) عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لك جهدك في كتابة هذا السؤال الواضح والدقيق.
بني: بالرغم مما ورد في سؤالك، إلَّا أنني أرى من خلفه شابًا يحب الله عز وجل، وحريصًا على دينه وأخلاقه، وعنده الطموح ليكون عضوًا نافعًا في المجتمع، ينفع نفسه وأسرته والناس من حوله.
ابني الفاضل: لا ننسى أن: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» كما قال ﷺ، فنعم ربما ما اعتدت عليه -أو أدمنت عليه- من الإباحية قد أثَّر فيك، وخاصة أنك في هذا السن الحرج، سن الشباب، فأنت في الثاني والعشرين من عمرك، ممَّا أدَّى إلى تراجع درجاتك في الثانوية، وبالتالي وجدت نفسك في فرع جامعي غير الذي تتطلع إليه.
بني: أعجبني أنك تقدر الجهد العالي الذي قدمه أهلك لرعايتك، وأنا أرى ممَّا ورد في سؤالك أنك متحلم بصفة الوفاء والتقدير للجهد الذي بذلوه من أجلك، فإذًا علينا (بُني) أن نقف قليلًا، نفكر في ما حصل ولماذا حصل وكيف حصل، ولا شك أن الإنسان يتحمل جزءًا كبيرًا من المسؤولية عن أعماله وسلوكه، إلَّا أن هذا لا يخرجه عن أنه ابتلاء علينا تجاوزه.
لاحظتُ من سؤالك أنك تعيش في فرنسا، ولعلَّ الجو من حولك مليء بالفتن، فلا بد من تحصين النفس للخروج من الحالة التي أنت فيها.
قد تسألني هنا بُني: هل هناك مخرج إيجابي للحالة التي أنت فيها؟ الجواب قطعًا نعم، يمكن أن تخرج مما أنت فيه، ليس عن طريق إنهاء حياتك لا قدَّر الله، فواضح من سؤالك أنك ملتزم بالشرع والحلال والحرام، ولا تحتاج مني أن أذكّرك بحرمة هذا، فقد ذكرته في رسالتك.
طريقة الخروج -ابني الفاضل- هي بالعودة الصادقة والتوبة النصوح إلى الله عز وجل، أقول هذا ونحن الآن في العشر الأوائل من رمضان، فأرجو أن يكون شهر رمضان هذا -الذي نحن فيه- نقطة تحول في حياتك، فهذا يدعوك من بعدها إلى العمل والتركيز على ما أنت فيه، أي فرع الجامعة الذي أنت فيه، وإن كان غير المفضل لك، ولكن يمكنك بعد شيءٍ من الاستقرار أن تعيد النظر فيما تستمر في هذا الفرع، أو تنتقل إلى غيره تجد نفسك فيه، فهذا أفضل بكثير ممَّا ذكرت في سؤالك أنك تريد ترك المنزل والجلوس في الشارع بدون طعام.
ابني الفاضل: دومًا ندعو: "اللهم عرِّفنا نعمك بدوامها لا بزوالها"، فأنت -ابني الفاضل- أنعم الله عليك بأسرة طيبة، فاحرص عليها وتمسك بها، وحاول أن تبني نفسك من خلال الالتزام بالعبادة والقرب من الله عز وجل، والصحبة الصالحة، وكما يقال: "الصاحب ساحب".
فاحرص -ابني الفاضل- على التردد على المسجد القريب منك، وقد انتشرت المساجد في بلاد أوروبا ولله الحمد، فلا تجد مدينة إلَّا وفيها عدد غير قليل من المساجد، لا تنس -ابني الفاضل- أن الاعتياد على زيارة المسجد يحصننا جميعًا مما يمكن أن نبتلى به.
أخيرًا، لا بد من أن تبذل جهدًا للتخلص من الإباحيات بإيقاف منابعها ومصادرها من وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات المختلفة، حتى تصل إلى ما تتمنى من الحياة المستقرة والمريحة.
أدعو الله تعالى لك بتمام التوفيق والسعادة والتفوق.