تأخر زواجي رغم جمالي ولم يعد يتقدم إليّ خُطاب، فما نصيحتكم؟

2026-02-22 21:14:59 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاةٌ جميلةٌ -ما شاءَ اللهُ- ومنذ أن كنتُ في السادسة عشرة من عمري والخطَّابُ يطرقون بابي، ولكنَّهم لا يعودون مرةً أخرى.

والآن وقد بلغتُ 21 عامًا، أرجو اللهَ وأدعوه بالزوجِ الصالحِ، غير أنني كلما دعوتُ شعرتُ باختناقٍ وضيقٍ في صدري، وتتملكني وساوسُ وهواجسُ بأنني لن أتزوجَ أبدًا.

لقد مضت فترةٌ وأنا ألازمُ الدعاءَ ولكن يرافقني هذا الشعورُ بالاختناقِ، وجميعَ الفتياتِ ممَّن هنَّ في مثلِ سني قد تزوجنَ، وفي الآونةِ الأخيرةِ لم يعد يتقدم لخطبتي أحدٌ، على الرغمِ من كثرةِ الخطباتِ في هذه الفترةِ.

إنني أحافظُ على قراءةِ سورةِ البقرةِ والرقيةِ الشرعيةِ، وألحُّ على اللهِ بالدعاءِ أن يرزقني الزوجَ الصالحَ، ولكنني ما زلتُ أشعرُ بضيقٍ شديدٍ واختناقٍ في صدري، فماذا عليَّ أن أفعل؟

شكرًا لكم.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أريام حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -أختنا الكريمة- في شبكة إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، ويسعدك، ويرزقك الزوج الصالح الذي تقرّ به عينك.

وردًّا على استشارتك أقول، مستعينًا بالله تعالى:
أختنا الكريمة، أنتِ لا زلتِ في سنّ الزهور، وليس ثمة خوف من فوات قطار الزواج عليكِ، وسيأتيك رزقك بإذن الله، فلا تحزني، وكوني واثقة من أن الزواج رزق من الله، يأتي في موعده الذي قدّره الله سبحانه، وبالشخص الذي قدّر أن يكون زوجًا لكِ، فما عليكِ إلا الصبر والرضا بما قسم الله لكِ؛ فالزواج ليس سباقًا، بل هو قدر.

تأخر الزواج لا يعني أنكِ لن تتزوجي، بل قد يكون ذلك لحكمة من حكم الله قد تتجلى بعد زمن، وأقدار الله كلها خير للمؤمن.

قد يحبّ الإنسان شيئًا وفيه شرّ له، وقد يكره شيئًا وفيه خير له، والأمر كما قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، فأنتِ تودّين أن تتزوجي الآن، لكن قد يكون التأخير فيه خير لكِ، وتكرهين تأخر الزواج، وقد يكون فيه خير لكِ.

الشعور بالاختناق عند الدعاء له أسباب حسية، ولا يدل على أمر غيبي أو علامة حرمان، فمن تلك الأسباب: التوتر النفسي الشديد المرتبط بموضوع الزواج، ومنها كثرة التفكير بـ"لن أتزوج"، فيتحول ذلك إلى قلق وخوف جسدي، ومنها ربط الدعاء بنتيجة فورية؛ فإذا لم يحدث شيء سريعًا يتولد ضغط داخلي، وهذا قريب مما يسميه المختصون في علم النفس "قلق الترقب"، حيث يتحول الأمر الذي نتمناه إلى مصدر ضغط بدل أن يكون مصدر أمل.

- الوسواس هو الذي يقول لكِ: "لن أتزوج"، فهو الذي يعد بالحرمان والخوف واليأس.
- الوسواس أفكار وخواطر طارئة، ولا تعبر عن الحقيقة، كما قال النبي ﷺ: "يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ..."، فإذًا الوساوس مجرد تشكيكات وشبه يشحنها في ذهن الإنسان، وليست موجودة على أرض الواقع.

- الفكرة ليست وحيًا، وليست قدرًا مكتوبًا، بل مجرد خاطر، ولذلك ينتقل الشيطان بالإنسان من فكرة إلى أخرى، ولا يستقر على حال.

- لا تعمّقي الفكرة في ذهنك، بل كلما جاءك الوسواس بها فقولي مباشرة: هذا مجرد وسواس، ولن أصدقه، ثم استعِيذي بالله من الشيطان الرجيم، وقومي من المكان الذي أتتك فيه تلك الفكرة، ومارسي أي عمل يلهيك عنها.

- لا تصغي للفكرة، ولا تتحاوري معها، ولا تحاولي إثبات عكسها؛ فإن الإصغاء والتحاور يعزّز من تعمقها وثباتها.

كون أنه يأتي خطاب ثم لا يعودون لا يعني وجود خلل فيكِ، فقد ترجع الأسباب إلى أن الله صرفهم عنكِ لكونهم لا يناسبونكِ، أو أنهم ليسوا رزقكِ، لذلك صرفهم الله عنكِ، وفي ذلك خير لكِ، وقد يكون لعدم توافق الطباع أو لظروف مادية.

أحيانًا نحزن على من لم يعد، ولو عاد لكان سبب شقاء.

شعورك بالضيق رغم قراءة سورة البقرة والرقية يعود لأنكِ تربطين القراءة بإزالة عائق الزواج، ولأنكِ تنتظرين الانفراج، فلما لم يقع عاد ذلك عليكِ بالضيق، وإلا فإن في ذكر الله تعالى طمأنينة للقلب، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.

أوصيكِ أن تقرئي القرآن تعبّدًا وحبًّا لله تعالى، وطلبًا للقرب منه سبحانه، ولا تجعلي قراءتكِ لسورة البقرة مرتبطة بأي أمر آخر سوى ذلك، وبهذا ستجدين لذة للتلاوة.

الدعاء عبادة يتلذذ بها الداعي بمناجاة ربه سبحانه، ومن الآداب ألا يتعجل الإنسان استجابة الدعاء؛ فإن الاستعجال سبب من أسباب حرمان الإجابة، كما في الحديث: "يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ".

ليس شرطًا أن يُستجاب لكل من دعا، بل يمكن أن يُستجاب، ويمكن أن يُصرف عن الإنسان من الشر مثل ما دعا به وأعظم، ويمكن أن يُدخر ذلك للعبد ليوم القيامة، كما ورد في الحديث الصحيح، فلا تجعلي الدعاء عبارة عن صفقة؛ أنتِ تدعين وتريدين العوض.

المقارنة بين حالتكِ وحالة الأخريات من الفتيات هي سبب الألم الأكبر، فقولك: "كل البنات في سني متزوجات"، هذه جملة مبالغ فيها نفسيًّا، ولو افترضنا أن الكثير منهن تزوجن، فهل تضمنين سعادتهن؟

بعض الناس يتزوج في التاسعة عشرة من عمره، وبعضهم في التاسعة والعشرين، وبعضهم بعد ذلك، وكل واحد له توقيت مختلف، وهذا كله وفق ما قضاه الله وقدّره.

دونكِ بعض الوصايا العملية:
- خففي التعلق المفرط بفكرة الزواج، واجعليه رغبة طبيعية، لا محور حياتكِ.

- أشغلي وقتكِ، وطوّري مهاراتكِ علميًّا وتقنيًّا، واستمري في دراستكِ، فهذه فرصة قد لا تتهيأ لكِ إن تزوجتِ.

- وسّعي علاقاتكِ الاجتماعية مع الصديقات الصالحات، والتحقي بحلقة لتحفيظ القرآن الكريم؛ فالانشغال الإيجابي يخفف الوسواس.

- في حال الدعاء لا تقولي: اللهم زوجني، أو ارزقني بالزوج الصالح، وقولي: "اللهم اختر لي الخير حيث كان، ورضّني به، وهنا يتحول الدعاء من توتر إلى تسليم".

- الاختناق غالبًا سببه القلق، وعلاجه أن تأخذي نفسًا عميقًا، ثم تحبسينه قليلًا، ثم تخرجينه ببطء شديد، كرري ذلك، وستجدينه يختفي تمامًا بإذن الله.

- قيمة المرأة ليست في كثرة من يخطبها، ولا سرعة زواجها، ولا نظرة المجتمع لها، ولكن قيمتها في دينها، وأخلاقها، ورجحان عقلها، وقوة شخصيتها، والزواج رزق من الله، وليس جائزة جمال.

- إن استمر الضيق بشكل يوميّ، أو أثر على نومكِ وأكلكِ، فقد يكون عندكِ قلق يحتاج جلسات إرشاد نفسي بسيطة، وهذا أمر طبيعي جدًّا، ولا يعني ضعف الإيمان.

- أكثري من دعاء الكرب: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ".

- الزمي الاستغفار، وأكثري من الصلاة على النبي ﷺ، فذلك من أسباب تفريج الهموم وتنفيس الكروب، ففي الحديث: "مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ"، وقال لمن قال له: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: "إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ".

- كرري دعاء ذي النون، ففي الحديث: "دَعْوَةُ ذِي النُّونِ؛ إِذْ دَعَا بِهَا فِي بَطْنِ الْحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ، إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَنْ يَدْعُوَ بِهَا مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ إِلَّا اسْتَجَابَ لَهُ".

أسأل الله أن يرزقكِ الزوج الصالح في الوقت الذي يكون فيه خيرًا لكِ، وأن يملأ قلبكِ سكينة وسعادة، إنه سميع مجيب، فعّال لما يريد.

www.islamweb.net