كيف نتعامل مع أبٍ قاسٍ مع محاولتنا طاعته لله تعالى؟
2026-02-19 01:10:51 | إسلام ويب
السؤال:
والدي ووالدتي منفصلان منذ 8 سنوات، ومنذ ذلك الحين ووالدي لا ينفق علينا، ولا يسأل عنا، ولا يعرف شيئاً عن أحوالنا.
كانت أمي دائماً هي من تحثنا على زيارته في الإجازات والمناسبات، وكنا نعود باكين ولا نرغب في الذهاب إليه مجدداً؛ لأننا لا نشعر بحبه أو حنانه.
حتى الآن والوضع كما هو؛ لدرجة أننا قد نبقى عنده أياماً فلا يطعمنا ولا يسقينا، معتمداً على أن أمي لن تتحمل وسترسل لنا أموالاً للطعام، ورغم إخبارها له أنها لن ترسل، فإنه قد يترك لنا بقايا طعامه، أو يشتري جبناً ويطلب منا أن نفطر ونتغدى ونتعشى منه، رغم أنه مقتدر مادياً.
إنه يعامل الغرباء أفضل منا؛ يتحدث معهم بلطف، بينما يسخر من إخوتي الذكور أمام العاملين عنده ويحبطهم ويكسر معنوياتهم!
والدي يعمل في تجارة الملابس، ويريد من إخوتي العمل معه رغم عدم رغبتهم، وعندما وافقوا، كان يعاملهم جيداً فقط إذا نفذوا أوامره بالحرف، أما إذا أخطؤوا فيعاملهم بإهانة أمام الناس، كما يشغلهم دون أجر، ويمنعهم من الخروج مع أصدقائهم أو أخذ إجازات، ولا يهتم باحتياجاتهم الأساسية، بينما يكرم الغرباء والعاملين عنده بالطعام والشراب والمعاملة الحسنة.
أما أنا، فلا أشعر بوجود أب في حياتي؛ فهو لا يسأل عني بالشهور طالما أنني مع أمي، ويتحجج بأنه 'مطمئن عليّ'، رغم أنني كنت أحتاج أباً حنوناً، وعندما أذهب إليه، كل ما يريده هو أن أنظف البيت وأطبخ وأساعده في الشغل، ومع ذلك تظل معاملته جافة، حتى الفتيات اللاتي يعملن معه، أغار من حسن معاملته لهن؛ فهو لا يرانا إلا وسيلة للاستفادة، وإذا لم يستفد لا يسأل عنا.
هو لا يعرف في أي سنة دراسية نحن، ولا يعرف عن نجاحنا أو رسوبنا شيئاً، حتى أخي حين حاول بدء مشروع صغير، سخر منه وأحرجه أمام أصحابه بدلاً من تشجيعه.
الصادم أيضاً أنه لا يصلي (حتى الجمعة والأعياد)، ولا يصوم رمضان دون عذر شرعي، ولا يخرج زكاة الفطر عنا، فأمي هي من تخرجها.
أنا أحاول إرضاء ربنا فيه، لكني لا أحبه، وتصرفاته عقدتني نفسياً، وإخوتي لم يعودوا يتحملونه، ودائماً في مشاكل معه، كيف يفترض بنا أن نتعامل مع أب كهذا؟
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ رقية حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحباً بكِ ابنتنا الكريمة، ونشكر لكِ ثقتكِ بنا في 'إسلام ويب'، وجوابي لحل مشكلتكِ كالتالي:
أولاً: ابنتنا الكريمة، أدرك تماماً المعاناة الكبيرة التي ابتليتم بها مع والدكم -هداه الله-، مع أنني حزين أن تتحدثي عن والدكِ بهذا الأسلوب المنفر عنه، ومع ذلك لا يخلو الإنسان من صفات إيجابية من الرفق والرحمة، ومهما كان الأمر يبقى أنه أبوكم وسبب وجودكم في هذه الحياة.
ثانياً: اعلمي أن هذا التقصير العظيم الذي عُرف عن أبيكم من خلال هذه الشكوى هو الذي سوف يُسأل عنه؛ فإن الله تعالى قال في محكم التنزيل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:6]، وفي حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فالرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته» (متفق عليه).
ثالثاً: ابنتنا الكريمة، برُّكم بأبيكم غير مرتبط بإحسانٍ منه إليكم؛ فكما أنه محاسب على التقصير معكم، فكذلك الأولاد محاسبون على التقصير في حقوق أبيهم وبره.
رابعاً: خير ما أوصي به الأبناء -وأنتِ منهم- هو الاستمرار في نصيحة الوالد، وتكرار ذلك بالتي هي أحسن، مع تذكيره بالله تعالى، وخدمته والإحسان في ذلك حتى يكون ذلك سبباً في رقة قلبه؛ فمهما كان هو إنسان له مشاعر وأحاسيس، وقد جبلت القلوب على محبة من أحسن إليها؛ فأحسنوا إليه بالخدمة والطاعة وكثرة الزيارة، مع الدعاء والابتهال إلى الله تعالى في هدايته وجعله من المصلين القائمين بالواجبات الشرعية من الصلاة والصيام، وغير ذلك من واجبات الدين العظيم.
خامساً: التعامل مع مثل هذا الأب المهمل لأولاده، من عدم النفقة وعدم الاهتمام والحنان، يكون بالتعامل معه بالحكمة والصبر، والبحث عن شخص أو أشخاص يكون لهم تأثير عليه للنصيحة والإرشاد؛ لتدارك هذا الأمر واليقظة من الغفلة، والاهتمام بكنزه الثمين وهم أولاده، عماد ظهره، وفلذات كبده؛ لأنه مع مرور الزمن سيأتي اليوم -لا محالة- الذي سيحتاج فيه إلى أبنائه ذكوراً وإناثاً.
موضوع عدم الصلاة لا في الجمعة ولا في الأعياد، ولا حتى الصلوات الخمس، وكذلك تركه لصيام رمضان، هو أمر خطير، ولكن عليكم بالنصح له والاهتمام، وإظهار أنكم تخافون عليه من يومٍ كان شره مستطيراً؛ فالصلاة صلة بين العبد وبين ربه، وهي ركن عظيم من أركان الإسلام، وتكون النصيحة بالتي هي أحسن.
سادساً: أما موضوع طلبه منكِ المساعدة في تنظيف البيت وطبخ الطعام فلا بأس بذلك؛ فهو أبوكِ وله احترامه وبره، والمساعدة في كل شيء تدخل في بر الوالدين، ومعاملة والدكِ لا تكون نداً لند، وإنما له البر ولو وُجد منه تقصير عظيم، فقد أوصى الله بالإحسان إلى الوالدين جميعاً، وقرن هذا الأمر بعبادته والنهي عن الإشراك به؛ ليدل على عظمته ومكانته في الدين، وأمر كذلك بالشكر لهما والبر بهما، وأن ذلك من شكره: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [النساء: 36].
قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: 'يريد البر بهما مع اللطف ولين الجانب، فلا يغلظ لهما في الجواب، ولا يحد النظر إليهما، ولا يرفع صوته عليهما، بل يكون بين يديهما مثل العبد بين يدي السيد تذللاً لهما'، وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً*وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:23-24].
فوالله لو قضى الأبناء ما بقي من العمر في خدمة الأبوين ما أدوا حقهما؛ فقد قال الرسول ﷺ: «لا يجزي ولد والداً إلا أن يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه».
أسأل الله لوالدكم الهداية ولكم التوفيق. اللهم آمين.