الزواج ليس بحثًا عن شريك كامل بل رحلة نحو الكمال مع شريك!

2026-02-23 02:31:05 | إسلام ويب

السؤال:
كزوجين متزوجين نحتاج إلى استشارة تتعلق بالزواج.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ Muhammad حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أيها الزوجان الكريمان: طلبك للاستشارة ليس علامة خلل، بل علامة وعي؛ فالزواج ليس عقدًا يُوقّع فحسب، بل ميثاقًا سماه الله تعالى: ﴿مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾، والميثاق الغليظ لا يُدار بالعفوية وحدها، بل بالنية الصالحة، والعلم، والمجاهدة اليومية.

دعونا نضع أصولًا جامعة، إن استقرت في البيت؛ استقامت كثير من التفاصيل، فمن ذلك:
أولًا: أصل العلاقة المودة والرحمة لا المحاسبة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، السكن ليس مجرد وجود تحت سقف واحد، بل شعور بالأمان، والمودة فعل، وليست إحساسًا عابرًا، والرحمة تظهر خصوصًا عند التقصير والضعف.

إنَّ البيت الذي يتحول إلى ساحة تدقيق ومحاسبة يفقد السكن، ولو كثرت فيه الإمكانات والمظاهر البراقة.

ثانيًا: لا كمال في البشر، فليكن الميزان عادلًا، قال النبي ﷺ: "لا يَفْرَك مؤمنٌ مؤمنةً، إن كره منها خُلُقًا رضي منها آخر"، هذه قاعدة ذهبية: لا تختزل شريك حياتك في عيب، كل إنسان مزيج من خصال، ومن العدل أن يُنظر إلى الصورة كاملة، كم من بيوت اهتزت؛ لأن أحد الطرفين صار لا يرى إلا النقص.

ثالثًا: حسن المعاشرة عبادة: قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، والمعروف يتغير باختلاف الأشخاص والأعراف، لكنه يدور على: اللطف، والعدل، واحترام المشاعر، والإنفاق، والكلمة الطيبة، قال ﷺ: "خيركم، خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي"، معيار الخيرية الحقيقي يبدأ من داخل البيت، لا من خارجه.

رابعًا: من هديه ﷺ مع زوجاته: أنّه لم يكن ﷺ قائدًا في المسجد فقط، بل زوجًا في البيت، يخدم أهله؛ ولم يرَ في المساعدة نقصًا في القوامة، كان يراعي المشاعر؛ لما قالت له صفية رضي الله عنها: "إن النساء يقلن إنك ابنة يهودي"، قال لها: قولي: "إن أبي هارون، وعمي موسى، وزوجي محمد"، ولم يقل لها: تجاهلي الأمر، بل رفع معنوياتها.

سابق عائشة رضي الله عنها فسبقته، ثم سابقها فسبقها، وقال:
«هذه بتلك" ملاطفة ومزاح وتوازن، وكان إذا شربت عائشة رضي الله عنها من إناء، أخذ الإناء فوضع فمه موضع فمها، تفاصيل صغير، لكنها تبني مودة عظيمة.

أخي الكريم: هذه ليست قصصًا للتبرك، بل نماذج عملية: مقصدها تعظيم قيم الاهتمام، والاحتواء، والمشاركة، والمرح في الحياة الزوجية لتدوم.

خامسًا: إدارة الخلاف لا إلغاؤه: الخلاف سنة بشرية، حتى في بيت النبوة، لكن الفرق في طريقة التعامل، عندما غضبت عائشة رضي الله عنها وكَسرت إناءً، لم يصرخ ﷺ ولم يُهن، بل جمع الطعام وقال: "غارت أمكم"، ثم عالج الموقف بهدوء.

ليس المطلوب ألا نغضب، بل ألا نُدير الغضب بجرحٍ دائم يوغل الصدور، ويجرح الكرامة، ويبقي الأحقاد فلا تندمل.

وهنا يجدر التنبيه على قاعدة نافعة: لا تناقشوا المشكلة وأنتم في قمة الانفعال، اهدؤوا، توضؤوا، ثم عودوا للحوار.

سادسًا: الحقوق لا تُطلب بالصراع، بل تُستجلب بالإحسان: قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، العلاقة ليست قائمة على: أعطني حقّي أولًا، بل على: كيف أؤدي ما عليّ؟، فإذا انشغل كل طرف بواجبه؛ استراح الطرفان من سباق المطالبة.

سابعًا: لا تجعلوا الخطأ أكبر من العلاقة: أخطر ما يهدد الزواج: استحضار الماضي في كل خلاف، وتضخيم الهفوات، وتكرار العتاب؛ حتى يتحول إلى شعور بعدم التقدير، الزواج يحتاج ذاكرة قصيرة في الأخطاء، وذاكرة طويلة في الإحسان.

وفي الختام أوصيك بوصايا عملية مختصرة:
– خصصوا وقتًا أسبوعيًا للحوار الهادئ بلا هواتف.
– عبّروا عن التقدير لفظًا؛ فالكلمة الطيبة صدقة.
– لا تناموا على خصومة قدر الإمكان.
– ليكن بينكما عبادة مشتركة: ركعتان، ورد قرآن، دعاء لبعضكما.
– لا تُدخلوا أطرافًا خارجية في كل خلاف صغير.

أخي السائل: الزواج ليس بحثًا عن شريك كامل، بل رحلة نحو الكمال مع شريك، وكلما اقتربتما من الله تعالى؛ اقتربتما من بعضكما؛ لأن القلوب إذا اجتمعت على طاعة الله تعالى ألّف بينها، قال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾، فاسألوا الله سبحانه دوما أن يؤلف بين قلبيكما، وأن يجعل بيتكما سكنًا ومودة ورحمة، وأن يرزقكما الاقتداء بنبيه ﷺ في اللين والحكمة وحسن العشرة.

www.islamweb.net