هل الأفضل أن أعتزل من يتنمرون عليّ، أم أخالطهم وأصبر عليهم؟

2026-02-25 22:17:35 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أعاني أحيانًا من التنمر من الناس، هل من الأفضل اعتزال الناس، أو أصبر على الأذى منهم؟ وهل لي الأجر في ذلك؟


الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ Hamza حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركم على تواصلكم معنا، وثقتكم بموقعنا.

فهمنا من رسالتك أخي الكريم أنك تتعرض في بعض الأحيان لأذى من الناس، وما يسمى بالتنمر، وهذا الموقف مؤلم حقًا، ويستحق أن يُعالج بجدية وحكمة، من الطبيعي جدًا أن يتساءل الإنسان في مثل هذه الأحوال: هل أبتعد عن الناس لأحمي نفسي، أم أصبر وأتحمل؟ وهذا السؤال يدل على نضجك وعمق تفكيرك.

أخي حمزة، لقد أجاب النبي -صلى الله عليه وسلم- على هذا السؤال بوضوح تام، إذ قال فيما رواه الإمام أحمد وابن ماجه: (المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم).

وهذا الحديث يكشف لنا أن الاختلاط بالناس مع الصبر على أذاهم هو الأفضل والأعلى درجة عند الله، بشرط أن يكون ذلك في الحدود التي لا تضر بنفسك ضررًا بالغًا، وقال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٍ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٍ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ (البقرة: 155).
فالأذى الذي تتلقاه من الناس هو ابتلاء رباني، وبشرى الصابرين عليه عظيمة.

سؤالك: هل لك أجر على الصبر؟
نعم والله، لك أجر عظيم! فكل كلمة جارحة تسمعها وتصبر عليها، وكل موقف مؤلم تتجاوزه بكرامة ورفع رأس، يكتب الله لك به حسنات، ويرفع به درجاتك، بل إن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبرنا أن المؤمن لا يصيبه هم ولا غم ولا أذى حتى الشوكة يشاكها؛ إلا كفّر الله بها من خطاياه.

وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- هو أكثر الناس تعرضا للأذى والتنمر والسخرية من قومه، ومع ذلك صبر وثبت، وكانت العاقبة له ولمن آمن معه.

أخي الكريم، لا بد أن نفرق هنا بين أمرين مهمين:
الأول هو: الصبر على الأذى العابر مع الحفاظ على الكرامة، وهذا محمود ومأجور عليه.
والثاني هو: التعرض المستمر للإذلال والإهانة الممنهجة دون حدود، وهذا لا يُطلب من أحد، فالله لم يأمرنا بأن نذل أنفسنا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَۚ﴾ (المنافقون: 8)، فالعزة حق للمؤمن.

من الأمور التي ستعينك في التعامل مع هذا الموقف:
في الجانب الإيماني، احرص على الدعاء بأن يصرف الله عنك أذى الناس ويقيك شرهم، فإن الله سميع الدعاء، وأكثر من الدعاء: "اللهم إني أعوذ بك من شر ما خلقت"، واجعل صلواتك سلاحك وحصنك، فالصلاة تعطي الإنسان ثقة بالله وطمأنينة داخلية تجعله أقوى في مواجهة الأذى.

في الجانب العملي، لا يعني الصبر أن تسكت عن كل شيء، يمكنك أن تعبر بهدوء وحزم عن رفضك للأذى الذي يُوجَّه إليك، فالحزم المهذب ليس وقاحة، بل هو احترام للنفس، كذلك ابتعد عن البيئات التي يكثر فيها هؤلاء الأشخاص قدر الإمكان، وابحث عن أصدقاء صالحين يعزونك ويدعمونك، فالصاحب له أثر عظيم.

في الجانب النفسي، تذكر دائمًا أن من يؤذي الآخرين، ويتنمر عليهم غالبًا يعاني في داخله من ضعف وأزمات نفسية يفرغها على غيره، فأذاه يعكس حاله هو لا قيمتك أنت، وهذا الفهم يخفف كثيرًا من وقع الكلمات الجارحة.

فالتعامل مع كل شخص بما يليق بموقفه حكمة، ولا يعني الصبر أن تفتح قلبك لمن يؤذيك ويهينك.
قال الشاعر:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته** وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

متى يكون الابتعاد مشروعًا؟ إذا كان التنمر الذي تتعرض له شديدًا ومستمرًا، ويؤثر على صحتك النفسية وسعادتك بشكل كبير، فلا حرج في الابتعاد عن هؤلاء الأشخاص بالتحديد وتقليل التواصل معهم، مع الحرص على الاندماج مع غيرهم ممن يحترمونك، فالابتعاد عن الشر ليس جبنًا، بل هو حكمة.

وإذا شعرت أن هذا الأذى المتكرر أثر على نفسيتك وثقتك بنفسك بشكل ملحوظ، فلا بأس من الاستعانة بمختص نفسي يساعدك على بناء شخصيتك، وتعزيز ثقتك بنفسك، فطلب المساعدة دليل قوة لا ضعف.

نسأل الله أن يعزك، ويرفع قدرك، وأن يصرف عنك أذى الناس، وأن يجعلك ممن يصبرون فيُثابون، وأن يبدل ما تمر به إلى خير وعافية.

www.islamweb.net