أصوات الحسرة والندم في رأسي تعطل مسيرتي نحو المستقبل!

2026-02-26 01:22:16 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم

لقد استشرتكم في استشارتين مهمتين جداً، ولله الحمد عملتُ بما فيهما، وذاكرتُ واجتهدتُ في مذاكرتي، وأهتم بعبادتي التي أنقذتني.

لكن تولد صوت داخلي عميق يتقاعد صوته تدريجياً، ويبدأ في الظهور عندما أذاكر أو أصلي مثلاً، يقول لي: "ماذا تفعل يا أحمق؟ لقد فات الأوان على كل ذلك، لقد تركتَ نفسك في القاع لأنك أحببت منطقة الراحة، أنت تستحق الفشل؛ لأنك كان بإمكانك القدرة على تحقيق أحلامك، وكنت تعرف الطريق الصحيح، لكنك قررت أن تتخاذل مع نفسك، وتحاول الهروب يوماً بعد يوم، لدرجة أنك لم تشعر بمرور الأيام، الأيام تجري وأنت لا تشعر بها حتى في شهر رمضان المبارك، وأنت في عزلة عن الناس وهذا شيء ضدك، أنت شخص اجتماعي، لماذا تعزل نفسك عن الآخرين؟ لأنك أقل منهم، هم أفضل منك بمراحل، نعم".

أيضاً يقول: "لماذا يا الله؟ لماذا جئت بالبلاء في هذا الوقت الذي لا يعود أبداً؟ لماذا أنا؟ أنا كنت أصلي وأصوم وكنت على مقدرة لتحقيق أحلامي، لماذا في هذا الوقت؟ لماذا؟".

ويظل يؤلمني هذا الصوت بكلام أصعب، كلام يجعلني أكره نفسي وحياتي، وأنا أعلم أنه سلبي وأنه وسواس، لكن لا أستطيع الانتصار عليه؛ فإنه يلمس الأمور التي لا أستطيع أن أقاومها أبداً، إلا بعد استغراق وقت طويل في الحزن كيوم أو يومين، أشعر بأن عقلي يعمل ضدي، ويأتيني بكل قوته ويدمرني.

أريد أن أعرف كيف لا أندم على الوقت الضائع أو على تقصيري في الماضي، وكيف أحصن نفسي، وأقنع عقلي أن القادم أفضل، وبأن ما فات فات؛ لأنني في الثانوية، وأشعر بأن كل أحلامي تبخرت بسبب تقصيري، وأنني سأظل طوال حياتي أقول: يا ليتني ذاكرت، يا ليتني، لا أريد هذا أبداً، أشعر وأنني ليس لدي قيمة على الإطلاق؛ بسبب اقتراب الامتحانات وأنا لم أذاكر شيئًا، بسبب كمية الأفكار السلبية التي في عقلي، طوال اليوم حزين ومتشائم.

أريد نصيحة من أهل العلم والقادة الكبار، هل ضاع مستقبلي؟ أو هل تدمرت حياتي؟ لأنني متأكد أنني سأندم كل يوم في المستقبل على هذه الفترة التي لن تعود أبداً.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ مصطفى حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أولًا: نشكر لك تواصلك مع موقعك المفضل إسلام ويب، وطلب المساعدة والدعم، ونحييك على حرصك الصادق في الرجوع إلى النصائح السابقة والعمل بها، وهذا في حد ذاته علامة خير كبيرة، فليس كل من يُنصح يلتزم ويجتهد، وقد ظهر منك ذلك بوضوح في حرصك على المذاكرة واهتمامك بعبادتك، وهذا يدل على أن فيك بذرة صالحة قوية، تحتاج فقط إلى الاستمرار حتى تؤتي ثمارها بإذن الله.

وما ذكرته من عودة هذا الصوت الداخلي لديك عند المذاكرة أو الصلاة، فهو – كما أدركت – من قبيل الوساوس التي يُلقيها الشيطان ليُحبطك ويُثنيك عن طريقك، فتعامل معه على هذا الأساس: استعذ بالله منه، واحتقره، ولا تناقشه ولا تتوسع في تحليله أثناء حدوثه، بل واصل ما أنت عليه من عمل، فإن مجاهدته وعدم الاستسلام له هو طريق ضعفه وانكساره، لا العكس.

ومع ذلك يمكنك أن تتعامل مع هذه الأفكار بطريقة عملية، بأن تكتبها ثم تنظر فيها في وقت آخر بعقلانية، دون أن تستغرق في تحليلها أو تبني عليها عملاً؛ لأنها في حقيقتها تُضعف عزيمتك وتُولد لديك الإحباط، وفي المقابل ركّز على الجوانب الإيجابية في شخصيتك، فأنت – كما ذكرت – شخص اجتماعي، فلا تسمح لفكرة أنك منعزل وضعيف أن تفرض نفسها عليك، بل اكتب قرارًا واضحًا بتقوية هذا الجانب، كأن تتواصل مع صديق، أو تجلس مع أهلك، أو تشارك في نشاط، وهكذا في بقية الصفات: تُثبت الإيجابي بخطوات عملية، وتتجاهل السلبي بدل تضخيمه.

ومن أعظم ما يعينك في هذه المرحلة زيادة الجانب الإيماني والروحي، خاصة ونحن في مواسم فاضلة كشهر رمضان، فهو فرصة حقيقية لتغيير العادات وكسر الكسل ومجاهدة النفس، وقد رأيت بنفسك أنك قادر على تهذيب نفسك بالصيام والصبر، وهذا دليل عملي أنك تستطيع أن تنتقل إلى الأفضل، فلا تستهِن بهذه القدرة التي بداخلك.

واحذر من الاسترسال في لوم نفسك والندم المستمر؛ فذلك من مداخل الشيطان أيضًا، يضخم لك الماضي حتى يُفسد عليك الحاضر، وحتى في مناجاتك لربك قد يُشعرك بالقنوط، مع أن الله رحيم بعباده، يقبل التوبة ويُعين من صدق معه، فاقنع يقينًا أن أقدار الله كلها خير، وأن المطلوب منك هو السعي فقط، أما النتائج فهي بيد الله.

وحاول أن تكسر دائرة الروتين والعزلة، وتنظم يومك بجدول متوازن: وقت للمذاكرة، ووقت للعبادة، ووقت للتواصل مع الناس، وشيء من الترفيه المباح، مع الإكثار من الدعاء وطلب العون من الله، واعلم أن الوقت الذي أمامك كافٍ بإذن الله لتعويض الكثير، خاصة إذا بدأت الآن بجدية، فالنجاحات الصغيرة المتكررة تُعيد لك الثقة وتُدرّبك على ترك الندم تدريجيًا.

وفيما يتعلق بما ذكرت من وسواس وشعور بالاكتئاب؛ فننصحك بالاستمرار على التوجيهات الطبية التي سبق أن وُجهت لك من استشاري أول الطب النفسي الدكتور/ محمد عبد العليم، والالتزام بالعلاج الذي وُصف لك، مع تطبيق الإرشادات السلوكية التي تعمل عليها الآن، فالجمع بين الجانبين الطبي والعملي هو الطريق الأقرب للتحسن بإذن الله.

كما نشجعك على الاستمرار في طلب المساعدة من المختصين، وعلى التحدث مع من تثق بهم من أهلك أو أصدقائك، ولا تجعل الخجل يعزلك، فالدعم الاجتماعي له أثر كبير في تجاوز هذه المرحلة.

ومع اقتراب الامتحانات، اجعل هذا دافعًا لا مصدرًا للشلل، فكلما شعرت بالتوتر زد من المذاكرة ولو بقدر يسير؛ لأن الإنجاز – حتى لو كان بسيطًا – سيمنحك راحة ويدفعك للمزيد.

وأخيرًا نطمئنك: أنه لن يضيع مستقبلك، ولم تتدمر حياتك، بل أنت في بدايات الطريق، ومحاولاتك المتكررة ووعيك بما يحدث لك دليل على إصرارك على النجاح، فاستمر، ولا تلتفت كثيرًا إلى الخلف، فالقادم –بإذن الله– أفضل مما تتخيل.

نسأل الله أن يشرح صدرك وييسر أمرك ويقدر لك الخير.

www.islamweb.net