بسبب التزامي أواجه صعوبات مع محيطي وخاصة صديقاتي!

2026-03-02 03:35:21 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا طالبة في المدرسة، وملتزمة بديني التزامًا يسيرًا؛ فأرتدي اللباس الطويل، وأتجنّب الحديث عن الآخرين في غيابهم، أي أنني أعيش ما ينبغي أن يعيشه المسلم في وضعه الطبيعي.

بالتأكيد أنا مقصّرة، فليس لديّ من العبادات الكثير، لكنني أواجه صعوبة مع محيطي الذي يرى هذه الأمور تشدّدًا أو التزامًا زائدًا، وأشعر بأنهن يتضايقن من وجودي، حتى إن إحداهنَّ رفضت الجلوس بجانبي، وقالت لصديقتها بصوت خافت: "سيهلّ عليّ الإيمان إن جلستُ بقربها".

وفي أغلب الأحيان أرافق مجموعة من الفتيات، لكن لا يوجد بيننا قواسم مشتركة سوى الدراسة، فهنّ يتحدّثن عن المسلسلات والمشاهير، وأنا لا أهتم بهذه الأمور.

وفي الآونة الأخيرة حدثت مشكلات بيني وبين بعض زميلاتي، ولم أعد أطيق البقاء في الصف. أشعر بأن ثقتي بنفسي تتراجع، وبأنني غير مقبولة، وأرى نظراتهنّ إليّ، وأكاد أجزم أنهنّ يتحدّثن عني في غيابي، وسمعتُ مرة إحداهنَّ تقول إنني أتظاهر بالتديّن بطريقة غير مباشرة، فقط لأنني قررت مواجهتهنّ والدفاع عن نفسي، كما أصبحتُ سريعة الغضب في الفترة الأخيرة.

نسيت أن أذكر أنني طالبة متفوّقة، ولذلك كثيرًا ما تعرّضتُ للاستغلال من تلك المجموعة التي كنت أسير معها، ظنًّا مني أن هذا ما يفعله الأصدقاء، لكنهنّ تمادين.

أشعر بأنني في دوّامة، وحتى دراستي لم تعد كما كانت، مع أنني في مرحلة الثانوية وهي مرحلة مهمّة جدًّا.

أنا كتومة، ولم أخبر أحدًا بكل ما يحدث، حتى عائلتي، أريد حلًّا، أريد أن تعود ثقتي بنفسي، أريد أن أتجنّب المشكلات والخصومات حتى لا تبقى أعمالي معلّقة بين السماء والأرض، أريد طريقة لا يبتعد الناس فيها عني مع محافظتي على ديني، لأنني بدأت ألوم نفسي على التزامي.

شكرًا لكم، وأعتذر عن الإطالة.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ رحمة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -ابنتنا العزيزة- في استشارة إسلام ويب.

أولًا: نشكر لكِ تواصلكِ بالموقع، ونهنئكِ بفضل الله تعالى عليكِ بتوفيقه لكِ بالتزام ما فرض الله تعالى عليكِ من اللباس، ونوصيكِ بأن تجتهدي في استكمال فرائض الله تعالى كافة، وهي الدرجة الأولى من التدين الصحيح، أن يعتني الإنسان بأداء الفرائض التي فرضها الله تعالى، سواء كانت فرائض كلفه بفعلها، كالصلاة، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، ونحوها من الأمور التي كلّفنا الله القيام بها وفعلها، أو كانت من الفرائض التي كلَّفنا الله باجتنابها وهي ما يسميها العلماء "فرائض الترك"، كترك الكذب ونحوه من المحرمات.

وهذه الدرجة من التدين رغم أنها قليلة وسهلة ويسيرة، إلَّا أنها تورث الإنسان محبة الله تعالى؛ فقد قال الله في الحديث القدسي الذي رواه البخاري: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ».

ثم بعد أداء هذه الفرائض تتجه المسلمة ويتجه الإنسان المسلم إلى الاستكثار بقدر استطاعته من نوافل الأعمال، ومن رحمة الله تعالى أنه جعل لنا من جنس كل فريضة من الفرائض نوافل؛ حتى نكمل النقص الذي قد يحدث في هذه الفرائض، فإذا شغلتِ نفسكِ بطاعة الله تعالى، فإن هذا سيهون عليكِ ملاحظة المخلوقين والاعتناء والاهتمام بهم.

ولا شك ولا ريب -أيتها البنت الكريمة- أن الإنسان إذا اختار طريق التدين وطريق الطاعة لله تعالى، فإنه سيجد معاناةً من خصوم هذا التدين؛ أولهم الشيطان، فإنه قاعدٌ في الطريق يريد أن يقطع عليكِ هذا الطريق، وقد قال الرسول ﷺ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ كُلِّهَا»، فهو منزعجٌ جدًّا حين يراكِ تمارسين الطاعات وتتقربين إلى الله، فيحاول أن يقطع عليكِ الطريق بكل ما أمكنه من الوسائل، ومن هذه الوسائل أنه يسلط عليكِ بعض الناس.

والعلاج لهذا كله -أيتها البنت الكريمة- أن تتسلحي بالإيمان والصبر، وأن تعلمي أن الأجر على قدر المشقة، وأن الإنسان كلما كان غريبًا في بيئة معينة وتمسك بدينه، فإن هذا أعظم لأجره، ولهذا قال الرسول ﷺ: «طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ»، فلمَّا سئل من هم الغرباء؟ قال: «الَّذِينَ يُصْلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ» فاستحضاركِ لهذه المعاني هو أعظم ما يثبتكِ ويصبركِ على هذا الطريق.
والصبرُ مثلُ اسمهِ مُرٌّ مذاقتُهُ *** لكن عواقبه أحلى من العسل

ولا ينبغي أن تهتز ثقتكِ بنفسكِ؛ لأنكِ على الحق، فالإنسان إذا كان طائعًا لله تعالى، حريصًا على مرضاته، قائمًا بما يكلفه به، فهو الإنسان الذي أراد الله تعالى أن يكون عليه حال الإنسان في هذه الدنيا، وهو الإنسان المتوافق مع هذا الكون الفسيح، فكل المخلوقات تُطيع الله تعالى، وكل المخلوقات عابدة قانتة لله تعالى، كما أخبرنا الله تعالى في كتابه الكريم، والإنسان الشاذ هو الإنسان العاصي؛ لأن المعصية والفجور يُخالف فيها الإنسان والشيطان سائر المخلوقات التي حوله.

فلا ينبغي أن تشعري بالغربة، نعم قد تتفردين أحيانًا، ولكن ينبغي ألَّا يكون هذا مؤثراً على عزيمتكِ وثقتكِ بنفسكِ.

وخير ما نوصيكِ به -ابنتنا الكريمة- حُسن الخلق، فإن حسن الخلق جزءٌ عظيم من الدين، والإنسان يبلغ بحسن خلقه ما لا يبلغه العابد الصائم القائم، كما وردت بذلك الأحاديث، ومن حُسن الخلق العفو والصفح عن المسيء، بل الإحسان إليه.

وما دام الله تعالى قد ميزكِ وأعطاكِ ذكاءً وفطنةً وتفوقاً في دراستكِ، فيمكن أن تستغلي هذا التفوق في الإحسان إلى زميلاتكِ وصديقاتكِ، وحينها سينقلب الحال، فإن النفوس البشرية مجبولة على حب من أحسن إليها، والله تعالى قد وجهنا إلى هذا في كتابه الكريم: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾.

أمَّا من أصرت منهنَّ على الإساءة أو التهكم فلا تبالي بها أبدًا؛ فإن هناك مواقف ستأتي بعد هذه الحياة، وسيدرك حينها الإنسان من هو أولى بالتهكم والاحتقار والازدراء.

خير ما نوصيكِ به: أن تتعرفي على النساء الصالحات والفتيات الطيبات، فهنَّ خير من يعينكِ على الاستمرار في هذا الطريق، لا تبالي بهؤلاء اللاتي وصفتِ حالهنَّ، حاولي أن تتعرفي على أمثالكِ في حلقات التحفيظ وغيرها، وستجدين.

نسأل الله تعالى أن يوفقكِ لكل خير.

www.islamweb.net