لا أستطيع مقاومة وساوسي التي تتغير وتزداد، فما الحل للتخلص منها؟
2026-04-23 02:18:44 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أعاني من وسواس قهري في العقيدة منذ شهرين تقريباً؛ واللهِ في البداية لم أكن أعرف أنه وسواس، فكنت أبكي طوال الوقت، وقد اشتدّ عليّ في رمضان، لكنني -والحمد لله- لم أترك صلاتي ولا حتى النوافل، مع ملازمة الأذكار وقراءة القرآن.
الوساوس عندي تتغير وتزداد، وهي أشياء صعبة جداً، واللهِ لم تؤثر على الصلاة أو أي شيء آخر، لكني لا أتجرأ على التحدث بها؛ فهي تلازمني طوال الوقت، ولا أرتاح إلا عندما أنام، وحتى في النوم تأتيني أحلام غريبة لا أبحث لها عن تفسير، وكلما عزمتُ على تركها وتجاهلها تزداد.
واللهِ إني لأتعذب، ولا يعلم بحالي إلا الله، حتى إني أبكي الآن؛ أشعر بأن الإرادة مسلوبة مني، حتى وأنا أكتب الآن جاءني وسواس بأني تجاوزت الحد، ولكن لم أهتم.
أدعو الله كثيراً أن يصرف عني هذا البلاء، ولكن ينقصني اليقين؛ لا أتحمل هذا، فأنا أحب الله ورسوله، ولكن لا أستطيع (المقاومة).
أرجوكم ساعدوني.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ جنة الله حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكِ -ابنتنا العزيزة- في استشارات إسلام ويب.
بدايةً: نشكر لكِ تواصلكِ بالموقع، ونسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العُلى أن يصرف عنكِ كل سوء ومكروه، وأن يَمُنَّ عليكِ بعاجل العافية والشفاء من هذه الوساوس.
ونحن ندرك مدى المعاناة التي تعيشينها -ابنتنا الكريمة- مع وجود هذه الوساوس، ولكن نحب أن نطمئنكِ ونبشركِ بأن هذا الحال الذي أنتِ فيه لا يؤثر على إيمانكِ وإسلامكِ، هذا أولًا، وأنه ليس حالًا خاصًّا بكِ أنتِ وحدكِ، فقد حصل لمن هو خير منكِ وأصلح وأزكى، فقد حصل لبعض أصحاب رسول الله ﷺ، وهذا أمرٌ طبيعي، فإن الشيطان بالمرصاد للإنسان المسلم، يقطع عليه طريقه ويحاول أن يصرفه عن الطريق التي توصله إلى جنة الله.
وهذه المعركة بين الإنسان وبين الشيطان قد أخبر الله تعالى عنها في كتابه الكريم، وأخبر عنها الرسول ﷺ في أحاديث كثيرة، فقد قال إبليس عن نفسه كما أخبرنا الله في كتابه: {لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}، ولخص النبي ﷺ معركة الشيطان معنا فقال: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ كُلِّهَا».
ونؤكد لكِ بدايةً أن الشيطان إنما يوسوس ويسعى بالوسوسة لمن يرى في قلبه خيرًا، فإن الشيطان كاللص، واللص لا يتوجه إلى البيت الخراب الذي ليس فيه شيء، إنما يحاول التلصص والسرقة من بيت فيه خير، فيه شيء يمكن أن يسرقه، فهذه كلها دلائل وأمارات تدلكِ على أنكِ في خير، وأن إيمانكِ محفوظ -بإذن الله تعالى-.
وخوفكِ العظيم من هذه الوساوس، وحزنكِ بسببها هو أكبر دليل على أن القلب معمور بالإيمان، وهذا جواب النبي ﷺ لمن جاء إليه يشكو وجود شيء من الوساوس في صدره، وأنه يكره أن يتحدث بها، ويفضل أن يُحرق حتى يصير فحمًا على أن يتكلم بها، فقال له عليه الصلاة والسلام: «ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ»، أي دليل صريح على وجود الإيمان؛ إذ لولا وجود إيمان في القلب يخالف هذه الوساوس ويناقضها لَمَا وجد الإنسان كل هذا الحال عند وجود الوساوس، فاطمئني واهدئي، واعلمي أنكِ على الخير، وأن دينكِ محفوظ -بإذن الله تعالى-.
ولكنكِ مطالبة شرعًا بأن تأخذي بالأسباب لمدافعة هذا الوسواس عن نفسكِ، وهذا من باب دفع الأقدار بالأقدار، وقد لخص النبي ﷺ هذه الأسباب بثلاثة توجيهات مهمة، احرصي على العمل بها:
أول هذه التوجيهات هو التجاهل والتحقير لهذه الوساوس بعد أن علمتِ بأنها من الشيطان، وعلمتِ هدف الشيطان وغايته، سيسهل عليكِ -بإذن الله- أن تحقري هذه الوساوس وتتجاهليها؛ لأنها ليست شيئًا يستحق أن يُعتنى به ويُهتم لأجله، والله تعالى يدعوكِ إلى طرحها وعدم الجري وراء خطوات الشيطان، كما قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}.
فتجاهلكِ وتحقيركِ لها هو إرضاء لله تعالى، فهذه أولى الخطوات وهو الدواء القالع لهذه الوساوس، كلَّما داهمتكِ هذه الأفكار الوسواسية اشغلي ذهنكِ وقلبكِ بشيء آخر، أي شيء كان من أمر الدين أو من أمر الدنيا؛ فإن القلب لا يتحمَّل أن يشتغل بشيئين في وقت واحد، كما قال الله تعالى: {مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ}، ونحن على ثقة من أنكِ إذا ثبتِّ وصبرت على هذا الطريق ستتخلصين -بإذن الله تعالى- من هذه الوساوس عن قريب.
التوجيه الثاني: الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان الرجيم كلما داهمتكِ هذه الأفكار.
والتوجيه الثالث: الملازمة للأذكار في سائر الأوقات، والمحافظة على الصلوات في أوقاتها، والمحافظة على الطهارة، وقراءة القرآن؛ فإن هذه كلها أحوال تحصنكِ من وساوس الشيطان وتطرد عنكِ شره.
وبجانب هذا إذا عرضتِ نفسكِ على طبيب نفسي ربما يصف لكِ من الأدوية ما يساعد الجسد على استرجاع اعتداله وتصحيح مزاجه، وهو من جملة أقدار الله، فقد قال الرسول ﷺ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ»، وقال: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ».
نسأل الله تعالى أن يَمُنَّ عليكِ بعاجل العافية والشفاء.
++++++++++++++++++++++++++++++
انتهت إجابة الدكتور أحمد سعيد الفودعي (مستشار الشؤون الأسرية والتربوية)، وتليه إجابة الدكتور مأمون مبيض (استشاري الطب النفسي).
++++++++++++++++++++++++++++++
نرحب بكِ -أختنا الفاضلة- عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لكِ تواصلكِ معنا بهذا السؤال، وثقتكِ بهذا الموقع، بالرغم من صعوبة الكتابة ربما عن هذه الأمور المزعجة لكِ.
أختي الفاضلة، نعم، فالسن الذي أنتِ فيه هو السن عادة ما تظهر فيه بداية أعراض الوسواس القهري، وطالما أننا نقول هو وسواس قهري، أي إنما هي أفكار قهرية غير منطقية وغير معقولة وتخالف اعتقادات الإنسان، وهذا ما يجعلها مزعجة مؤلمة، إلَّا أنها قهرية، أي أنها ليست تحت سيطرة الإنسان المصاب.
ويمكن لهذه الأفكار القهرية أن تأخذ أشكالًا متعددة، ومنها ما له علاقة بالعقيدة، أو العبادة، أو الوضوء، أو الصلاة، أو تلاوة القرآن، وغيرها.
يبدو من سؤالكِ أن هذه الوساوس القهرية التي تأتيكِ في العقيدة إنما هي في هذا، وهنا أشير إليكِ على أن الوسواس القهري الذي له علاقة بالعقيدة لا يدل أبدًا على ضعف إيمان الإنسان وصلابة عقيدته، بل على العكس، إنما تأتي الأفكار القهرية فيما هو عزيز على الإنسان؛ لذلك تأتيكِ وأنتِ في الصحو، ولكن حتى في النوم تأتيكِ ما له علاقة بها.
كما ذكرتُ لكِ، هذا ليس دليلًا على ضعف الإيمان، بل على شدة الإيمان -ولله الحمد-، وأحمد الله تعالى لكِ على أن هذا لم يؤثر على صلاتكِ وعبادتكِ، وقراءة القرآن، وحتى صلاة النوافل، فهذا أمر جيد، وأنبهكِ أنه قد تبدأ الأفكار القهرية الوسواسية تأتيكِ أيضًا فيما له علاقة بالوضوء والصلاة والقراءة، فانتبهي إلى هذا، وأيضًا هذا لا يدل على ضعف الإيمان.
أختي الفاضلة، معظم المصابين بالوسواس القهري -وخاصة ما له علاقة بالدين- لا يجدون الجرأة في التحدث عنه، وبالرغم من أنه أمر منتشر، من باب الحياء أو الخجل أو غيرها.
أختي الفاضلة، أمامكِ طريقان:
الطريق الأول: طالما أن الوسواس القهري بدأ منذ شهرين، أن تحاولي رد هذه الأفكار، وصرفها عنكِ، والاستعاذة بالله -عز وجل-، مذكرة نفسكِ أنها أفكار قهرية لا تدل على ضعف الإيمان والعقيدة، بل على العكس.
فإذن الطريقة الأولى: أن تحاولي من نفسكِ، فإذا خفَّت هذه الأفكار القهرية واختفت فنعِمّا هي، وإلَّا فلا بد من العلاج، وخاصة أنكِ طالبة، أُقدِّر أنكِ في الجامعة، فإذا شعرتِ أيضًا أن هذه الأفكار القهرية بدأت تُؤثِّر على شخصيتكِ ودراستكِ، فلا بد هنا من اللجوء إلى العلاج في العيادة النفسية، والنبي ﷺ يعلمنا موجهًا: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللهِ»، فكما أن هذا ينطبق على الأمراض الجسدية، فإنه أيضًا ينطبق على الأمراض النفسية ومنها الوسواس القهري.
داعيًا الله تعالى لكِ بتمام الشفاء والعافية، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.