صرت أبالغ في الاهتمام بمسألة الجمال حتى أرهقت تفكيري!

2026-04-27 00:57:01 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أود أن أطرح عليكم شيئًا ألمّ بي، وأرهق تفكيري، وهما مسألتان، لا أعرف أبينهما اتصال أم لا؟ ولكن أسأل الله أن يمن علي بمعرفة الصحيح.

أنا طالبة جامعية، في تخصص عال -ولله الحمد والفضل-، ودون الخوض في التفاصيل، لاحظت في فترة ما يقارب السنة أن نفسي تهتم بالجمال بشكل مبالغ فيه لدرجة الإرهاق؛ فأنا جمالي عادي كباقي الفتيات، لست ذات جمال باهر، أو أن عندي ما ليس عندهن، ولقد اخترت الصراحة في طرح مشكلتي؛ لأني بحاجة إلى حل، وأشعر أني عكست الطريق الذي يجب أن تكون عليه الفتاة في عمري، فأنا ربما أقل أخواتي من ناحية الجمال، ربما في الوقت الحالي، وبسبب التغيرات الهرمونية، وحب الشباب، ولكن عندما أنظر إلى أي فتاة أنظر أهي جميلة أم لا؟ وهل بها صفات الجمال لتكون هنا؟ أو متزوجة من الشاب الفلاني؟ أو غير ذلك؛ فأنا أقيس كل شيء بمقياس الجمال، وهذا لم يكن عندي، وأشعر بدونية التفكير بهذا، وأنني أترك الجوهر وأنظر للغلاف.

صار الجمال عقدة عندي، وأصبحت أنظر إلى نفسي بقلة ثقة، وأصبح تفكيري عن الحياة القادمة هو أنني ربما سيكون حظي أقل في أشياء كثيرة؛ لأنني أقل جمالاً، مع أنني والله حسنة المظهر، ولا يوجد بي ما يعيب لأقلل من شأن نفسي -ولله كل الكمال-، ولكن هذا التفكير يزعجني والله.

وإضافة لذلك أنا أخاف على قلبي جدًا أن يفتتن عند أول كلمة جميلة، أو أول ابتسامة، أو غيرها، خصوصًا أنني وعلى الرغم من أنني نشأت في عائلة صحيّة -ولله الحمد-، إلا أنني كنت أتوق إلى كلمة جميلة، حتى لو كانت مجاملة، حالي كحال باقي أخواتي، إلا أن الوالدة -حفظها الله وسامحها- كانت دائمًا ما تمدح أخواتي أمامي، سواءً من جمال، أو ملامح وجه صغيرة، وغيرها، حتى إنني عندما أريها صديقات لي على الهاتف، تقول لي: "هذه البنت حلوة والله -كتأكيد-" أو أنها تسألني عن حلاها وجمالها، فصرت أحس أكثر أن الجمال هو المقياس، وكل شيء بلا جمال فإنه يعتبر لا شيء، ولذلك أنا خائفة أن أنجرّ إلى طريق مظلم -لا سمح الله-، فكيف أحفظ قلبي وعقلي لي ولحلالي إن كتب الله لي الزواج؟

ومسألتي الأخرى: هي التفكير الزائد بالزواج في آخر فترة، وقد أخبرتكم أنني في تخصص صعب، وهذا التفكير يسرقني، ويشتتني، فكيف أسيطر على الموضوع؟

وشكرًا لأنكم اطلعتم على مشكلتي، وأسأل الله أن يجزيكم كل الخير، ويلهمكم ويلهمني الصواب في القول والعمل والمشورة.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ جمانة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكر لك تواصلك مع موقع إسلام ويب، وطلب الاستشارة، وقد قرأت بتركيز مشكلتك -ابنتي الكريمة-، وما تم عرضه يدل على وعي صادق، ورغبة في الإصلاح، وهذا في حد ذاته نعمة عظيمة؛ فأنتِ فتاة في مقتبل العمر، وقد حباكِ الله صفات حسنة، وعقلاً راجحًا، بدليل التحاقكِ بتخصص جامعي متميز، وتوفيقكِ فيه؛ وهذا من دلائل الخير التي ينبغي أن تستحضريها كلما ضاقت عليكِ هذه الأفكار.

أما ما ذكرتِه من الاهتمام بالجمال:
فالأصل فيه أنه أمر فطري، تحبه النفس، وهو مما يجمل الحياة، ويزيد من الألفة بين الناس، لكن إذا تجاوز حدّه الطبيعي أصبح عبئًا على صاحبه، كما يحدث معكِ الآن، حين صار الجمال هو المعيار الوحيد الذي تُقاس به الأمور، فيرهقك كثرة التفكير، وتضيقين من المقارنة.

والجمال في حقيقته ليس محصورًا في الشكل فقط، بل له معانٍ أوسع وأعمق؛ فهناك جمال الروح، والذكاء الاجتماعي، والخلق الحسن، والقدرة على التفاعل الإيجابي مع الآخرين؛ وهذه كلها معايير ترفع قدر الإنسان، وتجعله محبوبًا ومقدَّرًا.

وأتفهم تمامًا مشاعركِ تجاه ما يصدر من والدتكِ من مدح لجمال أخواتكِ، أو غيرهن أمامكِ؛ فهذا قد يكون مؤلمًا في بعض اللحظات، لكن الأقرب أنها لم تقصد أبدًا جرحكِ، أو التقليل منكِ، وإنما هو أسلوب عفوي يحتاج فقط إلى حسن تأويل منكِ؛ حتى لا يتضخم أثره في نفسكِ.

وما تمرين به من تغيرات هرمونية، وظهور بعض المشكلات كحب الشباب، هو أمر شائع في هذه المرحلة العمرية، وهو عارض يزول مع الوقت -بإذن الله-، كما أن للحالة النفسية أثرًا واضحًا على هذه التغيرات؛ فكلما هدأتِ نفسيًا، واطمأن قلبكِ، انعكس ذلك إيجابًا على مظهركِ وصحتكِ.

والمقارنة المستمرة بالآخرين هي من أكثر ما يرهق النفس، ويضعف الثقة، خاصة إذا ربطتِ بين الجمال وبين النجاح في الحياة، أو القبول في الزواج، فهذا تصور غير دقيق؛ لأن الاختيار في الزواج يقوم على منظومة متكاملة من الدين والخلق والتفاهم، وليس على الشكل وحده، وقد يُفتح للإنسان من أبواب الخير ما لم يكن يتوقعه إذا أحسن الظن بالله.

وخشيتكِ على قلبكِ من الفتنة عند سماع كلمات الإعجاب: هي علامة خير فيكِ، فحافظي على هذا الحياء، واعلمي أن هذه العاطفة مكانها الصحيح هو في إطار الزواج الحلال، فاصبري واحتسبي، وثقي أن الله سيعوضكِ خيرًا، وسيكتب لكِ من يقدّركِ حق التقدير في الوقت المناسب.

وأما تفكيركِ في الزواج: فهو أمر فطري ومشروع، لكن إذا تحوّل إلى انشغال دائم فإنه سيشتت تركيزكِ، ويؤثر على دراستكِ، فهنا يحتاج إلى ضبط، فاجعلي هدفكِ الحالي واضحًا وهو التخرج والتفوق، خاصة أن تخصصكِ مهم، وهو أيضًا من عوامل الاختيار الجيدة في الزواج، فاعملي له، واستعيني بالله، وسيأتيكِ رزقكِ في وقته.

ومن الوسائل العملية التي تعينكِ على تجاوز هذه الحالة:
- أن تضعي لنفسكِ قائمة يومية بإنجازاتكِ غير الشكلية: كالدراسة، والمهارات، والعلاقات الطيبة.
- وأن تقللي من تتبع مظاهر الجمال عند الآخرين، أو المقارنة بهم.
- وأن تمارسي أنشطة تعزز ثقتكِ بنفسكِ: كالتطوع، أو تنمية مهارة تحبينها، مع الحرص على صحبة صالحة تذكّركِ بقيمتكِ الحقيقية.
- كذلك خصصي وقتًا محدودًا للعناية بمظهركِ دون إفراط، ودرّبي نفسكِ على صرف التفكير كلما عاد إليكِ بشكل مزعج بالانشغال بعمل مفيد، أو ذكر، أو قراءة.

واعلمي أن القلب إذا امتلأ بمعاني الرضا والقرب من الله هدأ واستقر، فاحرصي على ورد من الذكر والدعاء، واستحضري أن الله ينظر إلى القلوب والأعمال.

أسأل الله أن يشرح صدركِ، ويملأ قلبكِ طمأنينة، ويكتب لكِ الخير حيث كان، ويرزقكِ زوجًا صالحًا يقرّ به عينكِ.

www.islamweb.net