أمي تحب المال وتبتزنا عاطفياً لننفق عليها وهي ميسورة الحال!

2026-07-07 00:56:35 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا غير قادرة على مسامحة أمي، وأريد حلًا، هل يجوز أن أتجنبها تجنبًا تامًا؟

باختصار، دعت أمي عليَّ بأن أُصاب بسرطان في فمي، وقد حدث ذلك بالفعل -والحمد لله-، وأنا لا أعترض على المرض، بل على العكس، فقد كان سببًا في نجاتي من أمور كثيرة أخرى، وقد تسبب هذا السرطان -بعد استئصاله- في أنني لم أكن أستطيع الكلام بصورة جيدة لمدة سنة، ثم شفاني الله -الحمد لله- شفاءً تامًا.

لكن المشكلة أن أمي ما زالت تخبر الناس بأنني مريضة، وكانت قد أوهمتني أن ذلك خوفًا من الحسد، ثم اكتشفت أنها كانت تأخذ أموالًا من الناس بحجة أنني أتلقى العلاج الكيماوي، في حين أنني -والحمد لله- سليمة ومعافاة.

أمي نرجسية بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ فهي تغار مني ومن إخوتي، وتبتزنا عاطفيًا حتى ننفق عليها، مع أنها ميسورة الحال ماديًا جدًّا، ووالدي -الحمد لله- على قيد الحياة، ولا يجعلها تحتاج إلى شيء.

أنا وإخوتي نشعر دائمًا بأنها تريد أن تستفيد مِنَّا إلى أقصى حد، مع أنها لم تكن حاضرة في حياتنا، وكانت تسافر باستمرار، فهل يجوز أن أتجنبها وأمتنع عن التواصل معها؟ وكيف ينبغي لإخوتي أن يتعاملوا معها فيما يتعلق بالمال، خاصة أنهم في الأصل غير مقتدرين ماديًا؟

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Fatma، حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركِ لتواصلكِ معنا، وثقتكِ بموقعنا.

وصلت رسالتكِ إلينا، وفيها ما يثقل القلب ويستوقف الفكر، فأنتِ تجمعين في سطور قليلة سنوات من الألم المتراكم، وتحملين بداخلكِ أسئلة لا تنتظر إجابات نظرية بقدر ما تنتظر من يفهم ثقلها ويقدر حجمها الحقيقي، ونبدأ بأن نقول لكِ: ما تشعرين به طبيعي لمن مرت بما مررتِ به، وما أمامنا ليس خلافًا عاديًا، بل هو موقف بالغ التعقيد، عميق الأثر.

ولعل أبرز ما يستوقفنا في رسالتكِ هو موقفكِ من المرض نفسه، إذ قلتِ بقلب مؤمن إن السرطان نجاكِ من أشياء كثيرة، والحمد لله على الشفاء التام، وهذا الموقف لا يصدر إلا عن نفس اتكأت على ربها، ورأت في المحنة نعمة خفية، قال الله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعسَى أَن تُحبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (البقرة:216)، وقد تجلى هذا في حالكِ بصورة لم تتخيليها، فجزاكِ الله على صبركِ وشكركِ خيرًا.

أما سؤالكِ الأول عن التجنب التام، فلا بد أن نفرق بين أمرين مختلفين: القطيعة التامة، وهي قطع الصلة كليًا، وهذا له حكم شرعي يجعلها محذورًا في حق الوالدين، حتى حين يصدر منهما الأذى، والتباعد الوقائي، وهو الاكتفاء بالحد الأدنى من التواصل الذي يسقط الإثم، ويحفظ النفس في آن واحد، قال الله تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} (الإسراء:23).

والإحسان هنا لا يعني الإذعان؛ لأن من الإحسان إلى نفسكِ أن تصونيها من الأذى المتجدد، وتحميها من الانكسار المتكرر، وقد قال النبي ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»، وهي قاعدة شرعية عظيمة تعني أن الإسلام لا يلزم أحدًا بالاستمرار في موقف يورثه الأذى المتكرر.

فالطريق الأسلم في رأينا هو ما يمكن تسميته بالحد الأدنى من الصلة: اتصال مقتضب في المناسبات، وسؤال عن حالها من بعد آمن، دون الانزلاق إلى دوامة الاحتكاك والتجريح، فهذا يريحكِ من حرج القطيعة الكاملة، ويعفيكِ، في الوقت ذاته، من التعرض المستمر للأذى، وتذكري أن صلة الرحم ليست مقياسها العمق والدفء دائمًا، بل يكفي أحيانًا أن تكون قائمة، ولو بخيط رفيع.

وهذا على افتراض أنكِ لا تسكنين معها في البيت نفسه، أما إذا كانت معكِ في المنزل، فالتواصل والاحتكاك سيكونان مستمرين، ومع ذلك حاولي ألا تقعي في فخ الاستفزازات المتكررة، وإذا ألقت إليكِ كلمة جارحة، فلا تردي عليها، وليكن سلاحكِ في هذه الحالة الصبر الجميل.

وثمة مسألة لا يمكن إغفالها في رسالتكِ، وهي ما ذكرتِه من إيهام الناس بأنكِ لا تزالين مريضة، وأخذ المال منهم على هذا الأساس، فهذا السلوك لا يجوز شرعًا بأي تبرير؛ إذ هو قائم على الكذب، وأخذ ما لا يحق بالتحايل، وأموال الناس لها حرمتها.

ومن حقكِ، بل من مسؤوليتكِ، أن تصححي هذه الصورة بهدوء عندما يسألكِ أحد عن صحتكِ، لا انتقامًا ولا عقابًا، بل شهادة بالحق، وحماية للناس من الوقوع ضحية لهذا التضليل، ولا يعد ذلك عقوقًا؛ فلا طاعة لأحد في معصية الله، ومن أمركِ بشيء يخالف الحق فلا طاعة له في ذلك.

أمَّا إخوتكِ، وكيفية تعاملهم مع المسألة المالية، فيقرر الفقه الإسلامي أن نفقة الأبناء على والديهم لا تجب إلا عند العجز الحقيقي، والحاجة الفعلية، فإذا كانت الوالدة مقتدرة ماديًا، ويكفيها والدكم، ولا تحتاج إلى شيء، فلا يلزم الإخوة غير المقتدرين بشيء استجابة للضغط العاطفي، والعطاء الجميل ما كان اختياريًا في حدود الطاقة، لا ما كان مفروضًا بالخوف أو تأنيب الضمير، كما لا ينبغي أن يكونوا طرفًا في أي مال مبني على التضليل الذي أشرتِ إليه؛ إذ لا يجوز الإسهام في الكذب، ولو بصورة غير مباشرة.

وما وصفتِه من سمات متكررة ينسجم مع ما يسميه علماء النفس بالشخصية النرجسية، وهو نمط يتجلى في الحاجة المستمرة إلى السيطرة، والاستنزاف العاطفي، والتلاعب، وفهم هذا النمط لا يبرر السلوك المؤلم، لكنه يساعدكِ على التعامل معه بنظرة أكثر واقعية، بعيدًا عن انتظار تغيير قد لا يأتي، ومن أبرز ما يعينكِ في مثل هذه الأحوال أن ترسمي حدودًا واضحة بهدوء وثبات، وأن تتوقفي عن الاستجابة للاستفزاز العاطفي، وأن تبني حياتكِ على ما تملكين، لا على ما فقدتِ.

والمسامحة التي تذكرينها، وتشعرين بعجزكِ عنها، ليست مطلوبة منكِ كفعل فوري، ولا هي قرار يأتي في يوم واحد، والمسامحة، حين تأتي، لن تكون هدية تمنحينها لأحد، بل ستكون تحررًا تمنحينه لنفسكِ من ثقل الضغينة، وهذا يحتاج إلى وقت، وعمل على الداخل، وتذكري أن المسامحة الداخلية لا تستلزم بالضرورة تقاربًا خارجيًا، فكثير من الناس يسامحون في قلوبهم، ويعيشون بعيدين في الوقت نفسه، وقد قال طرفة بن العبد في معنى بالغ الصدق:
وَظُلْمُ ذَوِي الْقُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَةً ... عَلَى الْمَرْءِ مِنْ وَقْعِ الْحُسَامِ الْمُهَنَّدِ

فجرح الأقارب أوجع؛ لأنه يأتي من حيث لا نحتاط، ولذلك يبقى أثره أطول، ويحتاج إلى علاج أعمق، وما تشعرين به من صعوبة المسامحة دليل على حجم ما أصابكِ، لا على ضعف إيمانكِ.

ونوصيكِ بالاستعانة بمتخصص نفسي يعينكِ على ترتيب هذه المشاعر المتشابكة، وبناء حدود صحية في علاقاتكِ، فطلب الدعم المتخصص فعل تكريم للنفس التي أنعم الله عليها بنعمة الشفاء، ومن الحكمة أن تحافظي عليها.

نسأل الله أن ييسر أمركِ، وأن يشرح صدركِ، وأن يهديكِ سواء السبيل.

www.islamweb.net