أشعر بالحياء من الله حيث أعاهده ثم أقصر في حقه!
2026-07-02 02:02:57 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أنا في حيرةٍ شديدة، وأرجو منكم أن ترشدوني إلى ما ينبغي عليَّ فعله، قبل عامٍ، وفي أشدِّ أوقات ضيقي، مررتُ بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا، فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ، كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ولشدة حاجتي إلى استجابة دعائي، عاهدتُ الله في نفسي ألَّا أكون من هؤلاء، وألَّا أنساه إذا كشف عني ما أنا فيه، ثم استجاب الله لي دعائي، لكنني -مع الأسف- عدتُ إلى التقصير، بل أشعر أن حالي أصبح أسوأ مما كان قبل ذلك.
واليوم أنا في حاجةٍ جديدة، وأجد في نفسي حياءً شديدًا من الله، بسبب ما بدر مني، بعد أن أنعم عليَّ وأجاب دعائي، ولا سيما بعد قراءتي في القرآن عن الذين يعاهدون الله ثم يُخلفون عهده، فأصبحتُ أشعر بثقلٍ شديدٍ كلما أردتُ أن أدعوه، وأتساءل: كيف أقف بين يديه وأنا أعلم ما كان مني؟
أرجو منكم أن تبينوا لي: هل ما فعلته يُعد من إخلاف العهد الذي ورد الوعيد عليه؟ وكيف أتوب توبةً صادقةً مما حصل؟ وكيف أتعامل مع هذا الحياء الذي يمنعني من الدعاء، مع أنني في أمسِّ الحاجة إلى رحمة الله وإجابته؟
جزاكم الله خيرًا، ونفع بعلمكم.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عمر .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع، ونسأل الله تعالى أن يزيدك هدًى وصلاحًا.
وقد أحسنتَ -أيها الحبيب- حين شعرتَ بالحياء من ربك الذي لطف بك ونجاك واستجاب دعاءك، ثم بعد ذلك رجعتَ إلى التقصير في حقه سبحانه، فهذه حالٌ تُوجب الحياء، مع أن الحياء من الله تعالى مطلوبٌ مِنَّا بكل حالٍ، فإننا وإن أطعناه -سبحانه وتعالى- لن نفي بحقه علينا في العبودية، ولن نتقيه حق التقوى.
فليس لنا إلَّا أن نستحي منه سبحانه، ونعترف بقصورنا وتقصيرنا عن القيام بحقه جل شأنه، وهذا الحياء من الله بوابة السعادة، وسبب الخير والعطاء، والله تعالى غنيٌّ عنَّا، ولكنه يختبر عبوديتنا له، واعترافنا بعجزنا وتقصيرنا في حقه، فإذا وجد مِنَّا هذا الاعتراف بصدقٍ، ووجد مِنَّا التوبة والاستغفار؛ فإنه -سبحانه وتعالى- يفرح بذلك فرح الكريم الذي يُريد أن يعطينا، وليس لأنه بحاجةٍ إلينا.
فقد قال سبحانه في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا»، فهو -سبحانه وتعالى- الغني عنَّا، ونحن الفقراء إليه، ومع غناه عنَّا يعاملنا سبحانه باللطف والود والرحمة، ويتحبَّب إلينا بأنواع النعم، فجديرٌ بنا أن نستحي منه سبحانه وتعالى.
ولذلك ورد في بعض الآثار الإلهية أنه -سبحانه وتعالى- يقول: «يَا ابْنَ آدَمَ، مَا أَنْصَفْتَنِي، خَيْرِي إِلَيْكَ نَازِلٌ، وَشَرُّكَ إِلَيَّ صَاعِدٌ»، فإنصافك من نفسك -أيها الحبيب- يقتضي أن تستحي من الله تعالى.
ونحن نأمل خيرًا من وراء هذا الشعور الذي تشعر به، شعورك بتقصيرك في حق الله، وشعورك بالحياء من ربك، هذا كله بوابةٌ إلى الخير، وسببٌ للاستقامة، ينبغي أن يكون داعيًا لك إلى أن تفعل بمقتضى هذا الشعور، ولا يصح أبدًا أن تبقى في دائرة الشعور دون أن تظهر آثار هذا الشعور على سلوكك.
فالله تعالى يحب منك التوبة والاستغفار والاعتراف، وقد قال النبي الكريم ﷺ: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ»، فالله تعالى يحب مِنَّا أن نستغفره وأن نتوب إليه، وأن نعترف بعجزنا وضعفنا، وأنه وحده هو الغني الحميد، القوي العزيز، فهذه المشاعر محبوبةٌ عند الله تعالى وهي عباداتٌ، بل هي من أجلِّ العبادات وأنفعها.
فأبشر خيرًا -أيها الحبيب- واعلم أنك إذا تقربتَ من الله تعالى شِبرًا تقرب إليك ذراعًا، وكما قال سبحانه في الحديث: «مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً»، أي جزاؤه -سبحانه وتعالى- وثوابه للعبد أضعاف أضعاف ما يفعله الإنسان.
فتقرَّب إلى ربك، واجعل من هذا الحياء دافعًا إلى إحسان عبادتك، واتقائك لربك بقدر استطاعتك، والجأ إليه -سبحانه وتعالى- وادعه واسأله حاجتك، فإنك لا تُنقص من ملك الله شيئًا حين تطلب منه أن يُعطيك، فلو أعطى الناس جميعًا ما نقص ذلك من ملكه شيئًا، كما قال في الحديث: «يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ»، والله تعالى كريمٌ يحب أن يُسأل، فيحب من العبد أن يطلب منه وأن يسأله، وقد وعد من دعاه بالإجابة، فقال: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}.
فاحذر من أن يحول الشيطان بينك وبين القيام بهذه العبادات الجليلة العظيمة بمسمى الحياء من الله تعالى، استحي من الله فأحسن عبادته وتُب إليه واستغفره، وأكثر من دعائه، وأحسن الظن به، فادعُ الله وأنت موقنٌ بالإجابة كما جاء في الحديث، سيستجيب لك.
وأمَّا العهد الذي كان بينك وبين الله فالتوبة منه والاستغفار، والإقلاع عنه، والعزم على عدم الرجوع إلى إخلاف العهد مع ربك مرةً ثانيةً، ومن العلماء من يرى بأن فيه كفارة يمين.
نسأل الله تعالى أن يوفقك لكل خيرٍ، وأن يزيدك من فضله.