كيف أتخلص من الوساوس التي بدأت بعد التزامي؟
2026-07-01 00:09:11 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا فتاة أعاني كثيرًا، وأود أن أشرح لكم حالتي، وأسأل الله أن أجد عندكم ما يطمئن قلبي ويشفي غليلي.
بدأ كل شيء في نهاية شهر رمضان الماضي، عندما كنت أقرأ القرآن، ومررت بآية تتحدث عن تحصين الفرج، فإذا بي أشعر فجأة بإحساس يبدأ من منطقة الفرج ثم يمتد إلى جسدي كله، وقد أرعبني هذا الشعور كثيرًا، ومنذ ذلك الحين أصبح يتكرر كلما سمعت شيئًا يتعلق بهذا الموضوع، أو قرأت آية فيه، أو رأيت شيئًا يتصل به.
في البداية كان خوفي شديدًا جدًّا، بمجرد أن أشعر بهذا الإحساس ينتابني رعب كبير، ثم خف هذا الخوف مع مرور الوقت، لكن الإحراج والأفكار المرتبطة به لم تتوقف، بل أصبحت تراودني حتى في نومي، هذه الأحاسيس نفسها تصاحبها أحلام مزعجة جدًّا، وأصبح ذلك كله يعكر مجرى حياتي؛ لأنه أمر يخيفني ولا أتقبله.
يأتيني أيضًا وسواس يتعلق بوالدتي، يتمثل في الخوف من إيذائها، مع أنها أكثر شخص يساعدني ويقدم لي النصح، وهذا الوسواس أشد رعبًا بالنسبة إليَّ، فكلما هدأ الوسواس الأول عاد هذا الوسواس، أو اجتمعا معًا في الوقت نفسه، ويصاحب ذلك خوف شديد، وأفكار ملحة ومتكررة طوال اليوم.
ومنذ بداية هذه المعاناة وأنا أحاول حماية نفسي بقراءة سورة البقرة، والمحافظة على أذكار الصباح والمساء، وأحيانًا أرقي نفسي بالرقية الشرعية، فيهدأ الخوف كثيرًا وأشعر بتحسن نسبي، لكنني ما زلت منزعجة كل يوم، ولا أعيش حياتي بصورة طبيعية.
كل هذا بدأ عندما اقتربت كثيرًا من الله تعالى، وبدأت أشعر بالإيمان الحقيقي، أود أن أفهم ما الذي يحدث لي، وبماذا تنصحونني؟
جزاكم الله خيرًا.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ياسمين .. حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلًا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، ويثبت قلبك على الإيمان، ويصرف عنك كيد الشيطان ووساوسه، وأن يجعل ما تجدينه سببًا لزيادة يقينك وقربك منه، وأن يرزقك الطمأنينة والعافية.
فالذي يظهر من سؤالك أن ما تعانين منه ليس انحرافًا في الفطرة، ولا فسادًا في القلب، وإنما هو صورةٌ ظاهرةٌ من صور الوسواس القهري؛ فقد اجتمعت عندك الأفكار الاقتحامية، والمشاعر اللا إرادية، والخوف الشديد منها، ثم محاولة مقاومتها والتفتيش عنها، حتى أصبحت تشغل جزءًا كبيرًا من يومك.
ومن المعلوم أن الوسواس لا يقف عند فكرةٍ واحدةٍ، بل إذا ضعف في بابٍ انتقل إلى بابٍ آخر، ولذلك ذكرت أن وسواسًا يتعلق بالقرآن والحياء يعقبه وسواسٌ آخر يتعلق بأمك، فإذا هدأ أحدهما ظهر الآخر، وهذا من أوضح خصائص الوسواس، فإنه لا يتعلق بموضوعٍ معينٍ، وإنما يبحث عن أكثر الأمور حساسيةً عند صاحبه ليوقعه في الخوف والاضطراب.
لذا دعينا نجيبك من خلال النقاط الآتية:
1- من المهم أن تعلمي أن الشعور الجسدي الذي يقع بغير اختيارك لا يترتب عليه إثمٌ، ولا يدل على رضا القلب ولا على فساد النية؛ فإن الإنسان قد يتأثر جسده بمثيراتٍ لا يريدها ولا يرضاها، كما قد يخفق قلبه عند الخوف، أو تدمع عينه عند الحزن، دون أن يكون قد اختار ذلك.
والشريعة إنما تعلق الأحكام بما يدخل تحت قدرة الإنسان واختياره، لا بما يقع عليه قهرًا، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» ولهذا فلا ينبغي أن تحولي هذه الأحاسيس إلى مقياسٍ لإيمانك أو لطهارة قلبك، لأنها ليست كذلك.
2- ارتباط هذه الأحاسيس بآياتٍ معينةٍ أو بألفاظٍ تتعلق بالعفة لا يعني أن القرآن هو سببها، وإنما لأن الوسواس يربط بين أول موقفٍ وقع فيه الخوف وبين كل ما يشبهه بعد ذلك، فينشأ ما يشبه الارتباط الشرطي؛ فإذا تكرر الموقف عاد الإحساس نفسه، لا لأن الآية أحدثته، ولكن لأن الدماغ أصبح يتوقعه كلما مر بالمثير نفسه؛ ولهذا فإن العلاج لا يكون بتجنب تلك الآيات أو الخوف منها، بل بقراءتها بصورةٍ طبيعيةٍ، وعدم مراقبة ما يحدث في الجسد أثناء القراءة، حتى يزول هذا الارتباط شيئًا فشيئًا.
3- قولك: إن هذه الوساوس بدأت عندما اقتربت من الله، ليس أمرًا مستغربًا؛ فإن الشيطان لا يفرح بمن ابتعد عنه، وإنما يشتد حرصه على من سلك طريق الاستقامة، ولذلك قال النبي ﷺ: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ، فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولُ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ، وَلْيَنْتَهِ» فذكر ﷺ إلقاء الوساوس من الشيطان وأرشد إلى الإعراض عنها، وأن هذا هو العلاج، لكن ليس معنى ذلك أن كل وسواسٍ سببه الشيطان وحده، بل قد يجتمع معه الاستعداد النفسي والقلق وطريقة التفكير، وهذا ما سيجيبك عنه الدكتور محمد؛ لذا نقول: من المهم ألا تفسري ظهور الوسواس بعد الاستقامة على أنه دليلٌ على سوء حالك، بل قد يكون من آثار المجاهدة التي تحتاج إلى صبرٍ وحسن تعاملٍ.
4- الوسواس المتعلق بإيذاء أمك، هو من أكثر أنواع الوساوس إيلامًا؛ لأنه يهاجم الإنسان في أحب الناس إليه، ليس لأنه يريد الإيذاء، بل لأن الوسواس يقوم على معاكسة إرادة صاحبه؛ فكلما كان الشخص أحب إلى قلبك، كانت الفكرة المتعلقة به أشد إزعاجًا، ولهذا فإن خوفك الشديد من هذه الفكرة، ونفورك منها، وحرصك على أمك؛ كلها علاماتٌ تدل على أنها فكرةٌ دخيلةٌ لا تعبر عن رغبتك، وإنما عن الوسواس الذي يحاول إخافتك بها.
5- من الأخطاء التي تطيل عمر الوسواس أن يحاول الإنسان طرد الفكرة بالقوة، أو أن يطمئن نفسه في كل مرةٍ بأنها ليست صحيحةً، أو أن يراقب مشاعره ليتأكد أنها اختفت؛ لأن هذه المحاولات تجعل العقل يقتنع بأن الفكرة خطرٌ حقيقيٌ يستحق المتابعة.
والعلاج أن تعرفي أن الفكرة وسواسٌ، ثم تتركيها دون نقاشٍ، فلا تبحثي عن سببها، ولا عن معناها، ولا عن دلالتها، ثم انصرفي مباشرةً إلى ما كنت تقومين به، ولو بقي شيءٌ من القلق في البداية؛ لأن القلق يضعف مع التكرار إذا لم يغذ بالاسترسال.
6- ما تقومين به من المحافظة على الأذكار، وقراءة سورة البقرة، والرقية الشرعية، عملٌ صالحٌ نافعٌ بإذن الله ونحن نوصيك به مع أمرين:
* الابتعاد عن الفراغ بكل أشكاله، فإن الفراغ الحديقة الخلفية المريحة للوسواس.
* الصحبة الصالحة من الأخوات الصالحات الإيجابيات.
كما نرجو أن تحرصي على أن يكون ذلك تعبّدًا لله، لا وسيلةً لاختبار الوسواس؛ فبعض المصابين به يحول الرقية نفسها إلى وسيلةٍ للتأكد: هل زال الشعور؟ هل عاد؟ هل أثرت الرقية؟ فيتحول العلاج إلى جزءٍ من دائرة الوسواس، والصواب أن تستمري على الأذكار باعتبارها عبادةً يوميةً، ثم تمضي في حياتك دون مراقبةٍ مستمرةٍ لما يحدث في نفسك.
ما تعانين منه أقرب إلى الوسواس القهري منه إلى أي انحرافٍ في الفطرة أو خللٍ في الإيمان، فلا تخافي من الأفكار ولا من الأحاسيس اللا إرادية، ولا تبني عليها أحكامًا، واستمري في عبادتك، وأعرضي عن الوساوس، ولا تدعيها تعزلك عن القرآن أو الذكر أو الحياة الطبيعية، فإنها تضعف كلما قل اهتمامك بها، وتقوى كلما جعلتها محور تفكيرك.
نسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، ويذهب عنك الوساوس، ويملأ قلبك يقينًا وسكينةً، وأن ييجعلك من عباده المطمئنين، ويثبتك على طاعته حتى تلقينه. والله الموفق.
_______________________________________________
انتهت إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد المحمدي، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية.
وتليها إجابة الدكتور/ محمد عبد العليم، استشاري أول الطب النفسي وطب الإدمان.
_______________________________________________
أرحب بك في استشارات إسلام ويب.
بعد اطلاعي على رسالتك وبكل تفاصيلها، أؤكد لك أن هذا وسواسٌ معتمدٌ على نقطة إثارةٍ أو رابطٍ، وطبعًا الرابط هنا هو الآيات التي تتحدث عن تحصين الفرج، وهذه علاقةٌ معروفةٌ جدًّا؛ فكثيرٌ من الوساوس لا يُثيرها إلَّا وجود رابطٍ ما، خاصةً في أمورٍ حساسةٍ كما تفضلتِ.
فالتفسير واضحٌ جدًّا، وكما ذكر لك الشيخ الفاضل الدكتور أحمد المحمدي -جزاه الله خيرًا- فالوساوس تتبدَّل وتتشكَّل وتتغيَّر، ويتغيَّر محتواها، وحتى من الأشياء التي لاحظناها أن صاحب الوساوس إذا حرص مثلًا في علاج وسواسٍ معينٍ، ونجح في ذلك، عالج الوسواس (عن طريق التحقير، وعدم الحوار، وصرف الانتباه) يظهر له وسواسٌ آخر تمامًا، ذو محتوىً مختلفٍ تمامًا، وهذه هي الخديعة التي يعتمد عليها الوسواس.
أنا اطلعتُ على الإجابة التي زودك بها الأخ الدكتور أحمد المحمدي -جزاه الله خيرًا- وأرى أنها إجابةٌ شاملةٌ، وإجابةٌ كاملةٌ، بليغةٌ، وأرجو أن تطبقي ما ورد فيها.
تفهمي طبيعة وسواسك؛ هذا مهمٌّ جدًّا، وأنه وسواسٌ، وأنه لا يقوم على حقائق، وأنه خدَّاعٌ، وأنه يجب أن يُحقَّر، وألَّا يخوض الإنسان فيه؛ لأن تحليله أو محاولة إخضاعه لأي نوعٍ من المنطق، أو البحث عن السببية؛ هذا يثبت الوسواس، وهذه هي نقطة العلاج المحورية: تحقير الوسواس، والقناعة بأنه وسواسٌ، وبأنه ليس بواقعيٍّ، هذه تُعتبر نقطةً ارتكازيةً جدًّا.
فأنا أرجوك أن تبني علاجك على هذه النقطة، أي اقتحامٍ من الوسواس يجب أن يُقابله تحقيرٌ وتجاهلٌ بكل قوةٍ، وفي نهاية الأمر سوف يُهزم الوسواس.
وأنا أود أن أضيف لك أنك مع التحقير، يجب أن تلجئي أيضًا إلى صرف الانتباه، وذلك من خلال الإتيان بفكرةٍ مخالفةٍ للوسواس، فكرةٍ جميلةٍ؛ لأن مجرد تحقير الوسواس وطرده بهذه الآلية، قد يتركك في نوعٍ من الفراغ الذهني، وهذا الفراغ يجب أن يملأ بشيءٍ جميلٍ؛ لأنه إذا لم يملأ بشيءٍ جميلٍ، سوف يعود الوسواس ويملأه مرةً أخرى، أو يأتي وسواسٌ من نوعيةٍ مختلفةٍ، فإذًا صرف الانتباه يعتبر علاجًا أصيلًا.
هنالك وسيلةٌ علاجيةٌ أخرى نحن نذكرها للناس كثيرًا لأنها مفيدةٌ، وهي التنفير، التنفير يعني أن تربطي الوسواس بشيءٍ كفعلٍ أو فكرةٍ لا تحبذها النفس، كأن تشمئز منها النفس، أو تتألم منها، أو حتى الجسد، ومن أسهل هذه التمارين: أن تجلسي في مكانٍ هادئٍ داخل الغرفة، وتستجلبي الوسواس، وفي نفس اللحظة، تقومين بالضرب على يدك بقوةٍ وشدةٍ على سطحٍ صلبٍ، كسطح الطاولة مثلًا، ويجب أن تحسي بألمٍ شديدٍ.
حين تربطين هذا الألم بالفكرة الوسواسية، وتكررين هذا التمرين عدة مراتٍ؛ هذا سوف يُضعف الوسواس، ولا شك في ذلك، تكرار التمرين عشرين مرةً يعتبر أمرًا جيدًا، أو حتى يمكن أن تربطي هذا الوسواس بفكرةٍ أخرى منفرةٍ، واربطي هذه الفكرة مع فكرة الوسواس، هذا أيضًا علاجٌ تنفيريٌّ وهكذا.
طبعًا توجد أيضًا علاجاتٌ عامةٌ مهمةٌ، أهمها: تجنب الفراغ، الفراغ الزمني أو الذهني، وهذا يعني أن تحسني إدارة وقتك؛ لأن الوسواس يأتي للناس ويستشري من خلال الفراغ، تجنبي السهر، وعليك بالنوم الليلي المبكر، هذه كلها إن شاء الله فيها فائدةٌ كبيرةٌ لك.
البشرى الكبرى التي أود أن أزفها لك، أن هذا النوع من الوساوس يحتاج للعلاج الدوائي، ويستجيب استجابةً كبيرةً جدًّا للدواء، وتوجد عدة أدويةٍ، من أفضلها عقارٌ يسمى "فلوكستين - Fluoxetine" هذا هو اسمه العلمي، واسمه التجاري "بروزاك - Prozac"، وربما تجدينه في بلادكم تحت مسمىً تجاريٍّ آخر.
اذهبي إلى الطبيب -الطبيب النفسي مثلًا- وسوف يكتب لك الفلوكستين، أو يصف لك أي دواءٍ آخر، ويوجه لك المزيد من الإرشاد، أمَّا إذا كان الذهاب للطبيب صعبًا، فتحصلي على الدواء من الصيدلية إن كان ذلك ممكنًا، تناولي كبسولةً واحدةً يوميًّا لمدة عشرة أيامٍ، ثم اجعليها كبسولتين يوميًّا لمدة شهرٍ، ثم ثلاث كبسولاتٍ يوميًّا لمدة شهرين، ثم خفضيها إلى كبسولتين يوميًّا إلى مدة شهرين آخرين، ثم اجعليها كبسولةً واحدةً لمدة ثلاثة أشهرٍ، ثم كبسولةً يومًا بعد يومٍ لمدة شهرٍ، ثم توقفي عن تناول هذا الدواء.
يضاف إليه دواءٌ آخر اسمه "ريسبريدال - Risperdal" -اسمه العلمي "ريسبريدون - Risperidone"- تتناولينه بجرعة (1 ملغ) ليلًا لمدة ثلاثة أشهرٍ، ثم تتوقفين عن تناوله، هذه أدويةٌ رائعةٌ، ومفيدةٌ، وغير إدمانيةٍ، وسوف تساعدك كثيرًا بإذن الله تعالى.
بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، وبالله التوفيق والسداد.