أخشى أن يُسحر أبي من قبل من يكرهه، فكيف نحتاط لهذا الأمر؟

2026-07-22 00:06:27 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لو سمحتم، أرجو أن تشيروا عليَّ في أمرٍ جدٍّ مهمٍّ يخص أبي، فأبي لديه من عائلته وأسرته، ومن حوله في المنطقة التي يقطن بها، من يكرهه ويبغضه ويحسده على ما آتاه الله من فضله سبحانه وتعالى، وقد سحروه، وحاولوا ذلك مرارًا وتكرارًا، لدرجة أنه هذه المرة ذهب ليقوم على شؤون عرس أخته؛ لأن أمه متوفاة رحمها الله، فوجدتُ في حذائه مفتاحًا مغلقًا (كادنة)، ومعها خيط أحمر، فالحمد لله أنه انتبه لذلك، لكن عند رجوعه نسي -للأسف- قميصًا له هناك في غرفته، كان معلقًا وراء الباب، والمشكلة أنه قد ارتداه من قبل.

ونحن نعلم أن سحر الأثر هو أصعب أنواع السحر، والأصعب في الأمر أنه لا يستطيع العودة مرة أخرى؛ لأن المنطقة بعيدة عنا بحوالي 450 كم، وحتى لو ذهب فسيكذبون عليه، وسيقولون إن أحدًا لم يأخذه.

والله، إنني أعيش رعبًا حقيقيًّا، فأشيروا عليَّ بما أفعله حتى لا يصاب أبي بسحرهم، لا قدر الله، وهل ينفع أن أقرأ سورة البقرة كل يوم؟ وهل هناك احتياطات أخرى نقوم بها حتى لا يصيبه شيء؟

أفيدونا، جزاكم الله عنا كل خير.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ هاجر، حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -أختنا الكريمة- في موقعكِ استشارات إسلام ويب، وأسأل الله العظيم أن يحفظ والدكِ من كل سوءٍ، وأن يدفع عنه كل سوءٍ ومكروهٍ، وأن يرد عنه كيد الكائدين من السحرة والحاسدين، إنه سميعٌ مجيبٌ.

من خلال استشارتكِ لمستُ خوفًا شديدًا على والدكم، وهذا دليلٌ على محبتكم له، وحرصكم عليه، لكن ينبغي أن يكون هذا الحرص منضبطًا بالشرعِ، فلا يجرنا إلى الظنون والوساوسِ.

السحر حقيقةٌ، لكنه لا يعمل استقلالًا؛ فأهل السنة والجماعة يثبتون وجود السحرِ؛ لأن الله تعالى أثبته في كتابهِ، قال سبحانه: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينُ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} فهذه الآية جمعت بين أمرين عظيمين:
• الأول: إثبات وجود السحرِ.
• الثاني: أن السحرة لا يملكون ضر أحدٍ استقلالًا، وإنما لا يقع شيءٌ إلَّا بإذن الله الكوني القدري، ولهذا كان أعظم حصنٍ للمؤمن هو صدق التوكل على الله سبحانه، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}، وقال سبحانه: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}.

بقاء قميص والدكم عندهم لا يعني أن والدكم سيُسحر؛ فليس في القرآنِ، ولا في السنةِ ما يدل على أن مجرد بقاء ثوبٍ، أو أثرٍ لشخصٍ عند غيره، يعني حتمًا وقوع السحرِ! صحيحٌ أن بعض السحرة قد يستعملون ما يسمى بالأثر من شعرٍ، أو ثوبٍ، أو نحوهِ، لكن ليس كل من يملك الأثر يستطيع أن يسحرَ، وليس كل من حاول السحر ينجحُ، وليس كل سحرٍ يؤثرُ، ولا يقع شيءٌ إلَّا إذا أذن الله به قدرًا؛ فلا تجعلوا وجود القميص سببًا للرعبِ، أو اليأسِ!

قول بعض الناس: إن "سحر الأثر أصعب أنواع السحر" لا دليل عليه من القرآنِ، أو السنة الصحيحةِ يثبت هذا التقسيمَ، أو يصف نوعًا من السحر بأنه "الأصعب"، بل هذا قد يكون من تهويلات بعض الرقاةِ، أو من كلام عامة الناسِ؛ ولهذا ينبغي اجتناب هذه العبارات التي لا دليل عليها؛ حتى لا تزيد الخوف في القلوبِ.

وجود مفتاحٍ مغلقٍ، أو خيطٍ أحمرَ لا يكفي للجزم بأنه سحرٌ؛ لأن الشرع لا يثبت مثل هذه الأمور بالاحتمالاتِ، فقد يكون الأمر كما ظننتم، وقد يكون غير ذلكَ، والمؤمن يبني أحكامه على اليقينِ، لا على مجرد الظنونِ، قال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}.

اجتهدوا في استرجاع القميص إن أمكن ذلك بيسرٍ وسهولةٍ، ومن غير نزاعٍ، ولا مفسدةٍ، أمَّا إذا تعذر ذلكَ، فلا تُكلِّفوا أنفسكم السفرَ، أو الدخول في خصوماتٍ من أجلهِ، ولا تجعلوه شاغلكم الأكبرَ؛ فإن حفظ الله أعظم من كل سببٍ.

عليكم بالتحصينات الشرعية التي أوصى بها النبي ﷺ، واحرصوا على أن يكون والدكم محافظًا على الصلوات الخمس في أوقاتها، مع أداء النوافلِ، وأذكار ما بعد الصلواتِ، مع حثه، وتذكيره بالقيام بأذكار الصباح والمساء كاملةً، من خلال كتيب "حصن المسلم" للقحطاني، أو تطبيق "أذكار المسلم" وليحرص على أذكار النومِ، ومنها قراءة آية الكرسي بعد كل صلاةٍ، وعند النومِ؛ فقد ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ أقر قول الشيطان لأبي هريرة، رضي الله عنه: «إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ... فَإِنَّهُ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ».

واحرصوا على قراءة سورة البقرة في البيتِ؛ ففي صحيح مسلمٍ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ»، وقال أيضًا: «اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ؛ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ»، ومعنى البطلةِ: السحرةُ.

ومن أذكار الصباح والمساء المهمة ما كان يردده النبي ﷺ ثلاث مراتٍ: «بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ»، و«أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ».

إن ظهرت بوالدكم أعراضٌ غير معتادةٍ، وغلب على ظنكم أنها ليست طبيعيةً، فلتكن البداية بالرقية الشرعية بالقرآنِ والأدعية الصحيحةِ، مع مراجعة الطبيب إذا وُجدت أعراضٌ نفسيةٌ، أو عضويةٌ؛ لأن كثيرًا من الأمراض قد يظنها الناس سحرًا، وهي في حقيقتها أمراضٌ تحتاج إلى علاجٍ، ولا يجوز بحالٍ الذهاب إلى الكهانِ، أو السحرةِ، أو سؤالهم؛ فقد صح أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً».

قولكِ: "أعيش رعبًا حقيقيًا" يدل على أن الخوف بدأ يسيطر عليكِ، وهذا ينبغي مقاومتهُ، وعليكِ أن تدركي أن الشيطان يفرح إذا استطاع أن يحول الإيمان بوجود السحر إلى خوفٍ دائمٍ يشل حياة المسلمِ، فاملئي قلبكِ باليقين بدل الخوفِ، وبالذكر بدل الانشغال بالاحتمالاتِ، واعلمي أن الله عز وجل يقول في كتابه العزيزِ: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}، وقال سبحانه: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}.

أخيرًا أقول لكِ: من كان مع الله، حافظًا لحدودهِ، متوكلًا عليهِ، آخذًا بالأسباب الشرعيةِ، فلا ينبغي أن يعيش أسير الخوف من السحرةِ، بل يكون قلبه متعلقًا برب السحرةِ، ورب العالمينَ، الذي بيده الضر والنفعُ، وهو خيرٌ حافظًا، وهو أرحم الراحمينَ.

أسأل الله تعالى أن يدفع عنكِ، وعن والدكِ، وسائر أسرتكِ كل مكروهٍ، وأن يرد كيد الكائدين في نحورهم، آمينَ، ونسعد بتواصلكِ في حال استجد أي جديدٍ.

وبالله التوفيق والسداد.

www.islamweb.net