ديوني أصبحت كثيرة، فهل أبيع ما أملك لسدادها؟
2026-08-10 01:22:23 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا عليَّ ديونٌ كثيرةٌ، و-للأسفِ- هي ديونٌ بفوائدَ، وأعلمُ أنَّ كلَّ ذلك ذنوبٌ، ولكنَّ الأمرَ كان خارجاً عن إرادتي (غصباً عني)؛ فأنا مطلقةٌ منذ 20 سنةً، وعندي بنتانِ: إحداهما ابنتي، والأخرى ابنةُ أختي -رحمها اللهُ-؛ إذ رماهُما أهلهما منذ يومِ ولادتِهما، ولا أحدَ يُنفقُ عليهما.
أنا مَنْ يديرُ شؤون المنزلِ بمفردي، وأهلي متوفَّونَ، وليس عندي إخوةٌ، وراتبي قليلٌ، أشعرُ أنَّ اللهَ يعاقبُني؛ فقد ضاقتْ بي سبل العيشِ، ولا أملكُ ما أسددُ به سداداً معجلاً، ولا أملكُ شيئاً سوى الشقةِ التي أسكنُ فيها.
لقد تعبتُ كثيراً وضاقَ صدري؛ فالمسؤوليةُ كبيرةٌ وأنا بمفردي، أحياناً يساعدني بعضُ الناسِ، ولكنَّ الأسعارَ ترتفعُ باستمرارٍ؛ مما جعلني أتورطُ في الديونِ أكثرَ، فراتبي قليلٌ جداً مقارنةً بالالتزاماتِ المطلوبةِ مني.
حاولتُ كثيراً أن أعملَ في وظيفةٍ ثانيةٍ، ولكنني لم أستطعْ؛ فصحتي ليستْ على ما يرامُ، والدنيا منغلقةٌ في وجهي، وأعلمُ أنَّ هذا قد يكون عقاباً من اللهِ.
أخافُ أن أبيعَ الشقةَ لأسددَ الديونَ فأجدَ نفسي والبناتِ في الشارعِ، وإذا أجَّلتُ السدادَ فإنَّ الفوائدَ تتراكمُ وتزدادُ.
أرجوكم قولوا لي حلاً أقدرُ عليهِ وخففوا عني، فأنا أعلمُ أنني مذنبةٌ، ولكنَّ اللهَ كريمٌ.
ساعدوني أرجوكم، فأنا وحيدةٌ في هذه الدنيا، وابنتايَ بعمرِ 22 سنةً و20 سنةً، ولا أستطيعُ أن أعرِّضَهُما للتشردِ في هذه الحياةِ.
ساعدوني في إيجادِ حلٍّ وادعوا لي؛ فراتبي 4500 جنيهٍ مصريٍّ، ومطلوبٌ مني الإنفاقُ على البنتينِ بالكاملِ، وسدادُ كلِّ متطلباتِ الحياةِ.
لقد تلفتْ أعصابي، وأتمنى من اللهِ أن يطهرني من ذنوبي، ويفتحَ لي بابَ التوبةِ، فمهما صليتُ وصمتُ ودعوتُ، أشعرُ بأنني أتورطُ وأغرقُ في الديونِ أكثرَ.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سارة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلًا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يفرج همك، ويقضي دينك، ويغنيك من فضله، ويبارك لك في ابنتيك، وأن يفتح لك من أبواب الرزق ما يغنيك عن سؤال الناس، وأن يجعل ما أصابك رفعة في درجاتك وتكفيرًا لسيئاتك.
قرأنا رسالتك، وتأثرنا بما فيها من معاناة ومسؤولية ثقيلة تحملتها سنوات طويلة وحدك، نسأل الله أن يكتب أجرك، ثم إن رعاية ابنتك، وكفالتك لابنة أختك بعد أن تخلى عنها أهلها، عمل عظيم يرجى لك به الأجر عند الله، ولا يضيع الله أجر من أحسن عملا.
لكننا في الوقت نفسه نحب أن نصحح فكرة تتكرر في رسالتك، وهي قولك: "أشعر أن الله يعاقبني"، وإننا لا نستطيع أن نجزم بذلك؛ فقد يكون ما تمرين به ابتلاء يرفع الله به درجتك، وقد يكون تكفيرًا لذنوبك، وقد يكون بسبب بعض الأخطاء في إدارة المال، وقد تجتمع هذه الأسباب كلها، ولا يعلم حقيقة الأمر إلا الله، فلا تحكمي على كل ضيق بأنه عقوبة، فإن كثيرًا من أنبياء الله وأوليائه ضاقت عليهم الدنيا، وما كان ذلك دليلًا على غضب الله عليهم.
وأما الديون التي بفوائد ربوية، فلا شك أن الربا من أعظم المحرمات، وقد جاء فيه من الوعيد ما لم يأت في كثير من الذنوب، قال تعالى: (فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله)، لكننا نفرق بين من دخل الربا مستخفًا به، وبين من وقع فيه تحت ضغط شديد، ثم ندم، ويريد الخلاص منه، فهذا الواجب عليه أن يبادر إلى التوبة، وأن يعزم على ألا يدخل في معاملة ربوية جديدة إذا وجد إلى ذلك سبيلًا، والمطلوب منك الآن ليس أن تيأسي، وإنما أن تبحثي عن أقرب طريق للخروج من هذه الدائرة.
ونحن ننصحك بالخطوات العملية الآتية:
- اكتبي جميع الديون في ورقة واحدة، مع بيان قيمة كل دين، وقيمة الفائدة، والجهة الدائنة، والأقساط المستحقة، حتى تكون الصورة واضحة أمامك.
- تواصلي مع الجهات الدائنة، واطلبي إعادة جدولة الديون، أو تخفيف الأقساط، أو إيقاف جزء من الفوائد إن كان ذلك ممكنًا، فكثير من الجهات تقبل بذلك إذا رأت صدق العميل وعجزه.
- لا تستديني دينًا جديدًا لتسديد دين قديم، إلا إذا كان سيخفف العبء فعلًا؛ لأن كثيرًا من الناس يخرجون من دين إلى دين أكبر.
- لا تبيعي الشقة التي تؤويك أنت والبنتين، إلا إذا لم يبق أي حل آخر، وبعد استشارة أهل الخبرة؛ لأن فقدان المسكن قد ينقلكم إلى أزمة أشد من أزمة الدين.
- انظري هل تستحقين الزكاة، فإن الغارم الذي أثقلته الديون، ولم يجد وفاءها، يعتبر من الأصناف الذين جعل الله لهم نصيبًا في الزكاة، فلا تترددي في طلبها من الجهات الموثوقة، أو الجمعيات الخيرية، أو أهل الخير.
- شجعي ابنتيك -إن كانتا قادرتين على العمل- على المشاركة في تحمل جزء من أعباء الحياة، المهم أن يكون عملًا مناسبًا ولو قليلًا، فهذا ليس تقصيرًا منك، بل هو تعاون بين أفراد الأسرة.
- ابتعدي تمامًا عن أي قرض ربوي جديد، ولو بدا أنه سيحل المشكلة مؤقتًا؛ لأنه كثيرًا ما يزيدها تعقيدًا.
وأما قولك: "مهما صليتُ وصمتُ ودعوتُ أشعرُ بأنني أتورطُ وأغرقُ في الديونِ أكثرَ"، فهذا من تلبيس إبليس، فانتبهي ولا تجعلي الشيطان يربط بين تأخر الفرج وبين عدم قبول الطاعة، فكم من عبد دعا سنوات، ثم جاءه الفرج في الوقت الذي اختاره الله له، لا في الوقت الذي اختاره هو لنفسه.
- استمري في الدعاء، وخاصة الدعاء الذي علمه النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك"، و"اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال".
ختاماً: نريد أن نقول لك كلمة نرجو أن تستقر في قلبك: لا تنظري إلى نفسك على أنك امرأة ضاعت حياتها بسبب الديون، بل انظري إلى نفسك على أنك امرأة حملت مسؤوليات ثقيلة ربما عجز عنها كثير من الناس، ثم وقعت في أخطاء تريد أن تتوب منها، ورب رحيم كريم فتح باب التوبة لعباده جميعًا، فلا تيأسي من رحمته، ولا تستسلمي للهم، وخذي بالأسباب، وأحسني الظن بربك، فإن مع العسر يسرًا، وإن بعد الضيق فرجًا.
نسأل الله أن يقضي دينك، ويشرح صدرك، ويبارك لك في رزقك، ويحفظ ابنتيك، وييسر لهما الخير، وأن يفتح لك بابًا من فضله لم يخطر لك على بال، والله الموفق.