الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

شروط جواز التصرّف في المال الذي وجبت زكاته قبل إخراجها

السؤال

هل صحيح أن التصرّف بالمال الذي لم يزكَّ من بيع وشراء جائز، إذا بقي قدر الزكاة؟ وهل هذا يشمل جميع أموال الشخص، فإذا كان لديّ مال في حساب بنكي لم أخرج زكاته بعد، واشتريت به شيئًا، وما بقي أقلّ من الزكاة المفترض إخراجها، لكن لديّ مال في حساب بنكي آخر يكفي لزكاته وزكاة الحساب الأول، فهل ما اشتريته بيع صحيح؟ وما حكم استعمالي لما اشتريته قبل أن أعرف جوازه أو حرمته؟

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فقد اختلف أهل العلم في الزكاة هل تتعلّق بعين المال، أو بالذمة؟

فعلى القول بكون الزكاة تتعلق بعين المال، يجوز التصرّف في المال الذي وجبت زكاته قبل إخراجها، إذا بقي من المال ما يساوي مقدار الزكاة الواجبة، وهذا يشمل جميع أنواع المال -كما هو الظاهر من كلام أهل العلم-، فلم يفرقوا بين أنواع المال في هذه المسألة.

قال الشمس الرملي في النهاية: وهي -أي الزكاة- تتعلق بالمال الذي تجب في عينه تعلق شركة بقدرها، إن كان من الجنس، كشاة من أربعين شاة، وهي الواجب شاة لا بعينها، أو شائع -أي جزء من كل شاة- وجهان، أقربهما إلى كلام الأكثرين الثاني؛ إذ القول بالأول يقتضي الجزم ببطلان البيع للمال؛ لإبهام المبيع.

وعلى الوجهين للمالك تعيين واحدة منها، أو من غيرها، ومن القيمة إن كان من غيره، كشاة في خمس من الإبل، فإذا تم الحول شاركه المستحق فيها بقدر قيمة الشاة الواجبة؛ وذلك لأن الواجب يتبع المال في الصفة؛ حتى يؤخذ من المراض مريضة... ولأنه لو امتنع من الزكاة، أخذها الإمام من العين؛ كما يقسم المال المشترك قهرًا إذا امتنع بعض الشركاء من القسمة، وإنما جاز الأداء من مال آخر؛ لبناء الزكاة على الرفق، ومن ثم لم يشارك المستحق المالك فيما يحدث منها بعد الوجوب.

وذهب طائفة من أهل العلم إلى أن الزكاة تتعلق بالذمّة، لا بالمال؛ فيجوز له، ويصحّ منه التصرف في ماله ببيع، ونحوه، ويكون آثمًا لكونه لم يخرج الزكاة.

قال ابن قدامة في المغني: ويجوز التصرّف في النصاب الذي وجبت الزكاة فيه -بالبيع، والهبة، وأنواع التصرفات- وليس للساعي فسخ البيع...لأن، «النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها». متفق عليه. ومفهومه صحة بيعها إذا بدا صلاحها، وهو عام فيما وجبت فيه الزكاة، وغيره. ونهى عن بيع الحب حتى يشتد، وبيع العنب حتى يسود. وهما مما تجب الزكاة فيه. ولأن الزكاة وجبت في الذمّة، والمال خالٍ عنها، فصحّ بيعه، كما لو باع ماله، وعليه دَين آدمي، أو زكاة فطر.

وإن تعلّقت بالعين، فهو تعلّق لا يمنع التصرّف في جزء من النصاب، فلم يمنع بيع جميعه، كأرش الجناية. وقولهم: باع ما لا يملكه. لا يصحّ؛ فإن الملك لم يثبت للفقراء في النصاب، بدليل أن له أداء الزكاة من غيره، ولا يتمكن الفقراء من إلزامه أداء الزكاة منه...انتهى منه بتصرف يسير.

ومفهوم هذا أنه لا يأثم بتصرّفه في المال الذي وجبت فيه الزكاة، ولو لم يبق منه شيء؛ لأن حق الفقير متعلق بذمّة صاحب المال، وليس بالمال ذاته.

وعليه؛ فشراء السائلة، أو بيعها في ذلك المال صحيح؛ حتى على القول بكون الزكاة تتعلّق بعين المال، ما دام لها مال آخر يفي بمقدار الزكاة.

مع التنبيه على حرمة تأخير الزكاة عن وقت وجوبها لغير عذر شرعي، كما سبق في الفتوى: 19326.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني