الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فكتابة البيت باسم الأم يعتبر تمليكا للبيت لها وهذا ما يشهد به العرف, فإذا كتبوا البيت باسمها وحازته فقد تمت الهبة, وليس لهم الحق في أخذ ما تنازلوا عنه لأمهم بعد وفاتها ما داموا أنهم لم يذكروا عند التنازل أنهم أرادوا إعطاءها منفعة السكنى مدة حياتها فقط دون تمليك رقبة البيت.
والأصل في تنازلهم كونه هبة وقد تمت حيازتها من والدتهم فصارت هبة لازمة لا يجوز الرجوع فيها لقوله صلى الله عليه وسلم: لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً أَوْ يَهَبَ هِبَةً فَيَرْجِعَ فِيهَا إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ، وَمَثَلُ الَّذِي يُعْطِي الْعَطِيَّةَ ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَأْكُلُ فَإِذَا شَبِعَ قَاءَ ثُمَّ عَادَ فِي قَيْئِهِ. رواه أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم.
ولا عبرة بنيتهم في التراجع ما داموا لم يصرحوا به عند التنازل, بل لو ذكروا ذلك عند التنازل لصارت عمرى لا يجوز الرجوع فيها على الصحيح من أقوال الفقهاء, والمقصود بالعمرى عند الفقهاء أن يقول الرجل: أعمرتك داري هذه أو هي لك عمري، أو ما عشت، أو مدة حياتك، أو ما حييت، أو نحو هذا, والعمرى هبة لا ترجع إلى صاحبها على الصحيح من أقوال الفقهاء, فإذا ماتت الأم صارت الشقة ملكا لورثتها بمن فيهم الأبناء المتنازلون عن نصيبهم, وليس لهم أن يسترجعوا ما تنازلوا عنه لأمهم وإنما يأخذون نصيبهم من تركة أمهم كسائر الورثة لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلَا تُفْسِدُوهَا فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ. رواه مسلم.
قال النووي رحمه الله في شرح هذا الحديث: الْمُرَاد بِهِ إِعْلَامهمْ أَنَّ الْعُمْرَى هِبَة صَحِيحَة مَاضِيَة، يَمْلِكهَا الْمَوْهُوب لَهُ مِلْكًا تَامًّا لَا يَعُود إِلَى الْوَاهِب أَبَدًا .. اهـ .
والله أعلم.