الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:
فإن قوله سبحانه: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ {الشورى:30}، ليس على ظاهر عمومه، فليست كل مصيبة تنزل بكل أحد عقوبة له على ذنبه، جاء في تفسير البيضاوي: والآية مخصوصة بالمجرمين، فإن ما أصاب غيرهم، فلأسباب أخر، منها: تعريضه للأجر العظيم، بالصبر عليه. اهـ. وفي تفسير الألوسي: والآية مخصوصة بأصحاب الذنوب من المسلمين، وغيرهم، فإن من لا ذنب له -كالأنبياء عليهم السلام-، قد تصيبهم مصائب، ففي الحديث: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثل»، ويكون ذلك لرفع درجاتهم، أو لحكم أخرى خفيت علينا. اهـ.
فالابتلاء بالمصائب له أسباب متنوعة، وحكم متعددة، وليست عقوبة ومقابلة على الذنوب والمعاصي فحسب، فقد يكون تمحيصًا، وتطهيرًا، وتكفيرًا للسيئات، وقد تقع المصائب بالعبد رفعة لدرجاته -كما هو شأن البلاء الواقع على الأنبياء، والأولياء-، قال الشيخ عبد القادر الجيلاني:
علامة الابتلاء على وجه العقوبة، والمقابلة: عدم الصبر عند وجود البلاء، والجزع، والشكوى إلى الخلق.
وعلامة الابتلاء تكفيرًا، وتمحيصًا للخطيئات: وجود الصبر الجميل من غير شكوى، ولا جزع، ولا ضجر، ولا ثقل في أداء الأوامر والطاعات.
وعلامة الابتلاء لارتفاع الدرجات: وجود الرضى، والموافقة، وطمأنينة النفس، والسكون للأقدار حتى تنكشف. اهـ.
وراجع بيان هذا بإسهاب في الفتوى: 272722.
والله أعلم.