الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فهذا الحديث قد أخرجه أبو داود في سننه عن عاصم بن كُليبٍ عن أبيه عن رجلِ من الأنصار، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فأصابَ الناسَ حاجةٌ شديدةٌ وجَهدٌ، وأصابوا غنمًا فانتَهبُوها، فإن قُدُورنَا لَتَغِلي إذ جاءَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يمشي على قوسِه، فأكْفأ قُدُورنا بقوسه، ثم جعل يُرَمِّلُ اللحمَ بالتُّراب، ثم قال: «إن النُّهْبَة ليست بأحلَّ من الميتةِ» أو «إن الميتةَ ليستْ بأحلَّ من النُّهْبةِ».
قال ابن حجر في فتح الباري: جيد الإسناد، وترك تسمية الصحابي لا يضر، ورجال الإسناد على شرط مسلم. اهـ.
وأصل القصة في صحيح البخاري عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج، عن جده ...
والمراد بالنهبة في الحديث: الاستيلاء على جزء من الغنيمة قبل القسمة.
جاء في بذل المجهود للسهارنفوري: (غنمًا فانتهبوها) أي: أخذوها قبل القسمة. اهـ.
وفي معالم السنن للخطابي: وإنما نهي عن النهب؛ لأن الناهب إنما يأخذ ما يأخذه على قدر قوته لا على قدر استحقاقه، فيؤدي ذلك إلى أن يأخذ بعضهم فوق حظه، وأن يبخس بعضهم حقه، وإنما لهم سهام معلومة، للفرس سهمان، وللراجل سهم، فإذا انتهبوا الغنيمة بطلت القسمة، وعدمت التسوية. اهـ.
وفي الحديث حرمة الانتهاب من الغنيمة، وهذا لا إشكال فيه. لكن هل الغنم المنهوبة لا تصح ذكاتها وتصير ميتة؟ قال بهذا ابن حزم بناء على ظاهر حديث الباب، فقال بعد أن ذكره: فهذا ذلك الإسناد نفسه ببيان لا إشكال فيه من إفساده -صلى الله عليه وآله وسلم- اللحم المذبوح مُنْتَهَبًا غير مقسوم، وَخَلَطَهُ بالتراب. فصح يقينًا أنه حرام بحت، لا يحل أصلاً، إذ لو حلّ لما أفسده -عليه السلام -. اهـ.
لكن أكثر الفقهاء على أن المذبوح بغير إذن المالك -كالمغصوب، والمسروق- ليس كالميتة، فالحديث محمول عندهم على الزجر والمبالغة، وليس على ظاهره.
ومما استدلوا به ما أخرجه البخاري في صحيحه عن نافع، عن رجل من الأنصار، عن معاذ بن سعد، أو سعد بن معاذ أخبره: أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنمًا بسلع، فأصيبت شاة منها، فأدركتها، فذبحتها بحجر، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (كلوها).
قال ابن عبد البر في التمهيد: واستدل جماعة من أهل العلم بهذا الحديث على صحة ما ذهب إليه فقهاء الأمصار، وهم: مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، والأوزاعي، والثوري من جواز أكل ما ذبح بغير إذن مالكه، وردوا به على من أبى من أكل ذبيحة السارق، ومن أشبهه داود، وإسحاق، وتقدمهم إلى ذلك عكرمة، وهو قول شاذ عند أهل العلم، لم يعرج عليه فقهاء الأمصار. اهـ.
لكن قال الصنعاني في سبل السلام: وأما حديث الكتاب وأنه -صلى الله عليه وسلم- أمر بأكل ما ذبح بغير إذن مالكه، فإنه لا يرد على أهل الظاهر؛ لأنهم يقولون بحل ما ذبح بغير إذن مالكه مخافة أن يموت، أو نحوه. اهـ.
وجاء في الإعلام بفوائد عمدة الاحكام لابن الملقن: واختلف في سبب الأمر بإكفاء القدور، فالصواب: لأنهم كانوا قد انتهوا إلى دار الإِسلام، والمحل الذي لا يجوز فيه الأكل من مال الغنيمة المشتركة...
قال القاضي عياض: وقد يكون لأنهم انتهبوها، ولم يأخذوها باعتدال وعلى قدر الحاجة... إلى أن قال: وإنما أمر عليه الصلاة والسلام بذلك -إلقاء اللحم وترميله-؛ لأنه أبلغ في الزجر، ولو ردها إلى المغنم لم يكن فيه كبير زجر، إذ ما ينوب الواحد منهم نزر يسير، فكان إفسادها عليهم مع تعلق قلوبهم وشهواتهم بها، أبلغ في الزجر. اهـ.
وفي أحكام الأضحية والذكاة لابن عثيمين: وأجاب الجمهور بأن إكفاء القدور على سبيل التعزير والمبالغة في الزجر، وهو جواب قوي، لكن يعكر عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن النهبة ليست بأحل من الميتة» إلا أن يقال: المراد بيان حكم أصل النهبة، وأن من انتهب شيئًا بغير حق - كان حراما عليه كالميتة، وإن لم يكن من شرطه الذكاة، وأنه ليس المراد أن ذبح المنهوب لا يحله فيكون ميتة. اهـ.
والله أعلم.