أضواء على قول: حياة تعيسة، وقول: أنا تعبتُ من حياتي

12-1-2026 | إسلام ويب

السؤال:
هل قول حياة تعيسةٍ يُعَدّ سبًّا للدهر؟ أو قول: أنا تعبتُ من حياتي، هل يُعَدّ ذلك عدمَ رضا؟

الإجابــة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن كان قول: "حياة تعيسة" على وجه الإخبار عن الواقع، وليس على سبيل التسخّط على قضاء الله تعالى وقدره؛ فالذي يظهر لنا أنه لا حرج فيه -إن شاء الله-، وراجع الفتوى: 523927

وكذلك إن كان قائل هذه العبارة يصف بها حاله هو، ولا يتعرض لسب الزمان؛ فليس داخلاً في سب الدهر الذي نهى عنه رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم حيث قال: قال الله عزّ وجلّ: يؤذيني ابن آدم، يقول: يا خيبة الدهر! فلا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر، أقلب ليله ونهاره، فإذا شئت قبضتهما. رواه البخاري ومسلم، واللفظ لمسلم.

وأما قول الشخص: "أنا تعبت من حياتي"، فإن كان مراده أنه يتمنى الموت لعدم صبره على ما نزل به من أنواع البلاء، فهذا ممنوع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا يتمنين أحدكم الموت من ضرّ أصابه، فإن كان لا بد فاعلًا، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي. متفق عليه.

وإن كان مراد القائل إنه تعب من مشاق الحياة ومكابدة شدائدها، مع أنه راض عن الله تعالى، ومُسلِّم لقضائه وقدره، فهذا لا حرج فيه، فإن العبد لا يؤاخذ بما يجده في صدره من التألم لما يصيبه من الشدائد وكراهته لها، وهذا لا ينافي الرضا بالقضاء. 

قال ابن القيم في كتابه (مدارج السالكين): وليس من شرط الرضا ألا يحس بالألم والمكاره، بل ألا يعترض على الحكم ولا يتسخطه، ولهذا أشكل على بعض الناس الرضا بالمكروه، وطعنوا فيه وقالوا: هذا ممتنع على الطبيعة، وإنما هو الصبر، وإلا فكيف يجتمع الرضا والكراهة وهما ضدان؟ والصواب: أنه لا تناقض بينهما، وأن وجود التألم وكراهة النفس له لا ينافي الرضا، كرضا المريض بشرب الدواء الكريه، ورضا الصائم في اليوم الشديد الحر بما يناله من ألم الجوع والظمأ، ورضا المجاهد بما يحصل له في سبيل الله من ألم الجراح، وغيرها. انتهى.

هذا؛ وبعض العلماء يذكر فرقًا دقيقًا بين الرضا بالمقضي، وبين الرضا بالقضاء: فالرضا بالمقضي ليس بواجب، والرضا بالقضاء هو الواجب، وينقل عليه الاتفاق.

قال القرافي في كتابه (الفروق): اعلم أن كثيرًا من الناس يلتبسان عليه فلا يفرق بين السخط بالقضاء وعدم الرضا به، والسخط بالمقضي وعدم الرضا به.
اعلم أن السخط بالقضاء حرام إجماعًا، والرضا بالقضاء واجب إجماعًا، بخلاف المقضي ... فعلى هذا إذا ابتلي الإنسان بمرض فتألم من المرض بمقتضى طبعه، فهذا ليس عدم رضا بالقضاء، بل عدم رضا بالمقضي، وإن قال: أي شيء عملت حتى أصابني مثل هذا، وما ذنبي وما كنت أستأهل هذا؟ فهذا عدم رضا بالقضاء، فنحن مأمورون بالرضا بالقضاء، ولا نتعرض لجهة ربنا إلا بالإجلال والتعظيم، ولا نعترض عليه في ملكه. وأما أنا أمرنا بأن تطيب لنا البلايا والرزايا، ومؤلمات الحوادث، فليس كذلك، ولم ترد الشريعة بتكليف أحد بما ليس في طبعه، ولم يؤمر الأرمد باستطابة الرمد المؤلم، ولا غيره من المرض، بل ذم الله قومًا لا يتألمون، ولا يجدون للبأساء وقعًا، فذمهم بقوله تعالى: {ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون} [المؤمنون: 76]، فمن لم يسكن، ولم يذل للمؤلمات، ويظهر الجزع منها، ويسأل ربه إقالة العثرة منها، فهو جبار عنيد، بعيد عن طرق الخير، فالمقضي والمقدور أثر القضاء والقدر، فالواجب هو الرضا بالقضاء فقط، أما المقضي فقد يكون الرضا به واجبًا كالإيمان بالله -تعالى-، والواجبات إذا قدرها الله -تعالى- للإنسان، وقد يكون مندوبًا في المندوبات، وحرامًا في المحرمات.
انتهى.

هذا؛ وننصحك بقراءة ما كتبه ابن القيم في كتابه (مدارج السالكين) عن منزلة (الرضا)، وأهميتها في حياة المسلم، وأقسام الرضا بالقضاء، وغير ذلك من المباحث النفيسة.

وانظر أيضًا الفتوى: 139774.

والله أعلم.

www.islamweb.net