الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فمبلغ التأمين له حكم الرهن، ورهن النقود محل خلاف بين أهل العلم، سبق بيانه في الفتويين: 138672، 383047.
وعلى القول بصحته، فقد نص بعض أهل العلم على أنه لا يجوز للمرتهن (المؤجر) استعمال هذا المال والانتفاع به على أن يَرُدَّ مثلَه، لكيلا يكون في معنى القرض، ويجتمع مع عقد معاوضة.
قال التَّوْزَري في شرح تحفة الحكام: يجوز رهن العين ذهبًا أو فضة وما جرى مجراهما من المثليات على القول المشهور، بشرط أن يوضع تحت يد أمين، أو يطبع عليه طبعًا لا يقدر على فكه غالبًا، حيث جعل تحت يد المرتهن؛ لأنه إذا لم يجعل تحت يد أمين، ولم يطبع عليه، يتهم المرتهن على تسلفه وردِّ مثله، وقد قارن ذلك عقد المعاملة من بيع أو سلف، وهو مفسد لهما؛ لأنه في الأول اجتماع بيع وسلف، وفي الثاني سلف بسلف. اهـ.
وعلّل ذلك الدردير في الشرح الكبير فقال: حمايةً للذرائع، لاحتمال أن يكونا قصدا به السلف وسمياه رهنًا، والسلف مع المداينة ممنوع. اهـ.
قال الدسوقي في حاشيته: قوله (والسلف مع المداينة) أي المصاحب لها، سواء كان السلف مشترطًا في عقد المداينة، أو متطوعًا به بعدها ممنوع؛ لأنه إن كان مشترطاً في عقد المداينة فهو "بيع وسلف"، إن كان الدين من بيع، "وأسلفني وأسلفك" إن كان الدين من قرض. وإن كان السلف متطوعًا به، فهو هدية مديان. اهـ.
وإيضاح هذا في مسألتنا أن الأصل في الرهن أن يكون أمانة في يد المرتهن، لكن إذا كان المؤجر (المرتهن) سيأخذ هذا المال لنفسه وينتفع به، على أن يرد مثله عند مغادرة المستأجر، فهذا في معنى القرض لا الرهن. ولا يجوز الجمع بين القرض وبين عقد من عقود المعاوضة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع. رواه أحمد والأربعة.
قال الحطاب في مواهب الجليل: كل عقد معاوضة لا يجوز أن يقارنه السلف. اهـ. وراجع في ذلك الفتويين: 250798، 465067.
وجاء في المعايير الشرعية، في المعيار (39): لا يجوز للمرتهن الانتفاع بالمرهون بدون عوض مطلقًا، بإذن الراهن أو بغير إذنه، ويجوز بأجر المثل إذا كان بإذن الراهن. اهـ.
وأمّا استرداد التأمين، وهل يكون بمثله أو بقيمته؟ فالجواب: أنه إن كان رهنًا، واحتفظ به المؤجر كما هو، ولم ينتفع به، فلا إشكال في أنه يردّ على حاله كما هو.
وأمّا إن كان دينًا في ذمّة المؤجر، فالأصل الذي عليه جمهور الفقهاء أنه يقضى بمثله لا بقيمته، شأنه شأن سائر الديون الثابتة في الذمة، ولا يصح ربطه بمستوى الأسعار، أو بمعدل التضخم، وراجع في ذلك الفتويين: 20224، 99163.
ولكن إذا انخفضت قيمة العملة بشكل كبير ومجحف، فقد اختلف أهل العلم في تأثير ذلك على أداء الحقوق المالية، وهل تُقضَى بمثلها أم تراعى قيمتها؟ والراجح هو اعتبار قيمة العملة إذا حدث غبن فاحش، أو انهيار للعملة، يتحقق به ضرر معتبر على صاحب الحق، وراجع في تفصيل ذلك، وكيفية حسابه الفتويين: 348040، 466858.
والله أعلم.