الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فالأسرة في الإسلام هي المحضن الأول، والحصن المنيع الذي يُشكّل وجدان الإنسان وعقله.
وفي زمننا هذا -حيث تتلاطم أمواج الفتن والشبهات والشهوات- تزداد أهمية الأسرة؛ لتكون هي السفينة التي تعبر بالجيل الصاعد إلى برّ الأمان.
وقد جعل الله تعالى الوالدين حرّاسًا على فطرة الأبناء، قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم: 6]؛ فهذه الآية الكريمة تضع الآباء أمام مسؤولية عظيمة؛ فالوقاية من النار تبدأ من تربية البيت، ويؤكّد النبي صلى الله عليه وسلم هذه المسؤولية بقوله: كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها. متفق عليه.
والانحراف السلوكيّ والأخلاقيّ غالبًا ما يسبقه انحراف فكريّ، أو ضعف في اليقين؛ ودور الأسرة هو غرس مراقبة الله تعالى في قلوب الأبناء منذ الصغر، فعندما يُنَشّأ الطفل على أن الله تعالى يراه، ويعلم أدقّ التفاصيل عن حركاته وسكناته وخطراته، فإن ذلك يثمر رقابة ذاتية عند الطفل، تحميه من الانحراف -بإذن الله تعالى- حتى في غياب الرقابة البشرية، وقد جاء في وصية لقمان لابنه: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ [لقمان: 16].
ولا يخفى دور الأسرة في تحقيق القدوة الصالحة (التربية بالحال قبل المقال)؛ فالأبناء لا يتعلّمون بآذانهم بقدر ما يتعلّمون بأعينهم، وإذا رأى الابن والده صادقًا، ووجدت البنت أمّها محتشمة، وذاكرةً لله، نشآ على هذه الأخلاق تلقائيًّا.
وإن أعظم ما تقدّمه الأسرة للجيل هو النموذج الحيّ للإسلام، وقد كان السلف يقولون: فعلُ رجلٍ في ألف رجل، أبلغ من قول ألف رجل في رجل.
ولا ننسى في هذا المجال أهمية الإشباع العاطفي والاحتواء؛ فالكثير من حالات الانحراف الأخلاقي (كالبحث عن علاقات محرمة، أو الإدمان) تبدأ من فراغ عاطفيّ داخل المنزل.
وعندما تكون الأسرة مكانًا للرحمة، والحوار، والتقدير؛ فلن يحتاج الشاب أو الفتاة للبحث عن بدائل زائفة في الخارج، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أرحم الناس بالأطفال، وكان يُقبّلهم، ويمازحهم، ويُشعرهم بقيمتهم.
والخلاصة: أنه لا بدّ أن تقوم الأسرة بدورها في الرقابة الواعية؛ ففي ظل الانفتاح الرقمي يكون دور الأسرة هو "التوجيه الذكي"، لا "التسلّط الخانق"؛ فيجب على الوالدين معرفة من يصادق أبناؤهم، وماذا يشاهدون، مع بناء جسور الثقة والصداقة معهم؛ فالمرء على دين خليله، والأسرة هي التي تساعد الابن على اختيار الصحبة الصالحة.
والتنبيه الأهمّ هو أنه يجب على الآباء والأمهات ربط الجيل بالعبادة والمسجد؛ فتعويد الأبناء على الصلاة، وجعل البيت عامرًا بذكر الله والقرآن يطرد الشياطين، ويجلب السكينة؛ فالصلاة ليست مجرد حركات، بل هي صلة تربط العبد بربه، وهي رادع عن فاحش الأقوال، ومنكرات الأفعال والأخلاق، قال تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ [العنكبوت: 45].
ولمزيد فائدة، انظر الفتاوى: 64312، 199013، 249622، 250228، 291007.
والله أعلم.