الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أهمية التوبة والاستغفار

أهمية التوبة والاستغفار

أهمية التوبة والاستغفار

الخطبة الأولى

الحمد لله حمداً خيراً مما نقول، ومثلما ما نقول، وفوق ما نقول، لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، عز جاهك، وجلَّ ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت، في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي الجنة رحمتك، وفي النار سطوتك، وفي كل شيء حكمتك وآياتك.

من تقرب إليك قربته، ومن أحبك أحببته، ومن تاب إليك قَبِلته، ومن عصاك أدبته، ومن حاربك كبته.

والصلاة والسلام على من رفعت به منارة الإسلام، وحطمت به دولة الأصنام، وفرضت به الشرائع والأحكام، رسول البشرية، ومعلم الإنسانية، ومزعزع كيان الوثنية، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ‌حَقَّ ‌تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ‌وَلْتَنْظُرْ ‌نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) ‌يُصْلِحْ ‌لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].

أما بعد:

عباد الله: إن الله سبحانه خلق العباد ليقوموا بما أوجبه عليهم، بما أمرهم ونهاهم عنه، وقد علم سبحانه أن من عباده من سيقع في مخالفة ذلك، كما في الحديث: عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (‌كل ‌بني ‌آدم ‌خطاء، وخير الخطائين التوابون) رواه ابن ماجه.
لذلك فتح لهم باب التوبة والاستغفار حتى يتداركوا ما يقع منهم، ويعودوا للقيام بما طلب منهم.

معاشر المسلمين: وكما طلب الله عز وجل من المخطئين أن يتوبوا طلب ذلك أيضاً من المؤمنين، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌تُوبُوا ‌إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [التحريم: 8]، {وَتُوبُوا ‌إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31].

كما طلب سبحانه وتعالى من المكلفين أن يستغفروه بعد كل عمل صالح، فقال للرسول عليه الصلاة والسلام في آخر عمره بعد أن أتم عليه نعمه وأظهر دينه: {إِذَا ‌جَاءَ ‌نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 1-3].

وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالى للحجيج بعد أن قضوا مناسكهم، وانتهوا من أعمال حجهم: {ثُمَّ ‌أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 199].

فمن الواجبات علينا في كل يوم وليلة، بل وفي كل حين أن نعود إلى الملك العلام، بالاستغفار والتوبة، علَّ الله أن يقبلنا في من قبل، وأن يعفو عنا في من عفا عنهم، وأن يردنا سُبحَانَهُ وَتَعَالى إليه، وقد كان هذا من دأب النبي صلى الله عليه وسلم، عن ‌الأغر المزني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله ‌في ‌اليوم ‌مائة ‌مرة) رواه مسلم.

وهو كذلك دأب وسنة الأنبياء من قبل فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام سلفاً وخلفاً استغفروا الله عز وجل -على حسناتهم وبرهم وصلاحهم-، قال نوح عليه السلام لقومه: {فَقُلْتُ ‌اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: 10-12].

وقال آدم وزوجه لما أذنبا: {قَالَا ‌رَبَّنَا ‌ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23].
وقال عز وجل: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ‌يُمَتِّعْكُمْ ‌مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} [هود: 3].

وقال سليمان عليه السلام وقد رأى ملكه وجيشه: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ‌وَهَبْ ‌لِي ‌مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [ص: 35].
وقال إبراهيم عليه السلام: {وَالَّذِي ‌أَطْمَعُ ‌أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [الشعراء: 82].

وقد وعد الله عز وجل المستغفرين ألا يأخذهم بنقمة في الدنيا إذا استغفروه، فقال: {وَمَا ‌كَانَ ‌اللَّهُ ‌لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33].

ونادى الله الناس جميعاً، فقال: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ‌لَا ‌تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [الزمر: 53-54].

وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مادحاً من استغفر يوم يذنب، ومن تاب يوم يسيء، ومن راجع حسابه مع الحي القيوم: {وَالَّذِينَ إِذَا ‌فَعَلُوا ‌فَاحِشَةً ‌أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران: 135-136].

ومن صفات الله عز وجل الحسنى أنه تواب رحيم: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ ‌يَقْبَلُ ‌التَّوْبَةَ ‌عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 104]. فتوبوا إليه ليتوب عليكم.
وقد قال لبني إسرائيل: {أَفَلَا ‌يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 74].

كما بين سبحانه وتعالى بأن الاستغفار بوابة مغفرة الله للعباد ورحمته لهم، فقال جلَّ ذكره: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ ‌وَاسْتَغْفَرَ ‌لَهُمُ ‌الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 64]. {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا ‌أَوْ ‌يَظْلِمْ ‌نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 110].

فسبحان الله من خالق عظيم، بر رحيم بعباده، كم يعذرهم ويفتح لهم باب التوبة والإنابة إليه رغم ذنوبهم وعصيانهم، عن ‌أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله عز وجل ‌يبسط ‌يده ‌بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها) رواه مسلم.
وفي الحديث القدسي عن ‌أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: (... يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم ..) رواه مسلم.

فالحذر الحذر أن ينقضي العمر وأنت في غفلة، وفي تفريط مع طول أمل، فإن الموت يأتي فجأة، فالبدار البدار قبل أن يندم المرء ولات حين مندم، {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ ‌يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ} [الزمر: 55-56].

فسارع في فكاك رقبتك ليلك ونهارك، واغتنم كثرة الصلاة على المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكثرة التوبة والاستغفار، وبادر بالحسنات؛ فمن يدري لعلك أذنبت ذنباً كبيراً أو أسأت إساءة كبرى لا يمحوها إلا التوبة، فبادر في فكاك رقبتك، وارفع يديك إلى الله عز وجل فإنك لا تدري لعلك لا تؤخر إلى أجل تستطيع فيه التوبة.

وعليك باغتنام الأيام الفاضلة والشهور الفاضلة التي تضاعف فيها الأجور للإكثار فيها من التوبة والإنابة والرجوع إلى الله سبحانه، حتى يجعلك من المقبولين والفائزين، فإن السعيد من أسعده الله وكتبه في صحائف الخلود والسعادة، والشقي من أخزاه الله وغضب عليه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، ومن تاب إلى الله بعد الذنوب وصدق في توبته فليفرح بالبشارة التي بشر الله سبحانه بها عباده، {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ ‌سَيِّئَاتِهِمْ ‌حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} [الفرقان: 70-71].

أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً كثيراً، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله أوصيكم بتقوى الله في السر والعلن، فهي حبل النجاة من المحن والفتن، وخير زاد ليوم العرض العظيم.

أما بعد:

عباد الله: أوصي نفسي وإياكم بالتوبة النصوح، وكثرة الاستغفار في كل وقت وحين، ورفع يدي الضراعة إلى الحي القيوم علَّ الله أن يغفر لنا؛ فوالله! ليس لنا من الأعمال ما نثق من التقدم بها إلى الله، فكثير من أعمالنا خطيئة وذنب، وتقصير وزلل، ومن عمل منا عملاً صالحاً فلا يدري ما خالطه من شوائب الرياء والسمعة ومحبطات الأعمال.

يظن العبد يوم يصلي ساعة، أو يقرأ، أو يذكر الله؛ أنه فعل شيئاً عظيماً.
وأين ساعات النعيم؟!
وأين ساعات الأكل والشرب؟!
وأين ساعات اللهو واللعب؟!
وأين ساعات الترح والمرح والذهاب والمجيء؟!

أيها المسلمون: يا من رضيتم بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً.. الله الله في المسارعة إلى التوبة والاستغفار، وإصلاح ما مضى وفات من المعاصي والتفريط بالعمل الصالح والسعي للآخرة، فلا ندري متى يأتينا الأجل، وكيف تكون الخواتيم، نسأل الله السلامة والعافية وحسن الخاتمة.

وإنما الأعمال بالخواتم *** لا تحتقر شيئاً من المآثم
ومن لقاء الله قد أحبا *** كان له الله أشد حبا
وعكسه الكاره فالله اسألِ *** رحمته فضلاً ولا تتكلِ
ولتك بالخوف وبالرجا ولا *** تيئس وللنفس فجاهد عجلا
وإن فعلت سيئاً فاستغفرِ *** وتب إلى الله بدار يغفرِ
وبادرن بالتوبة النصوحِ *** قبل احتضار وانتزاع الروحِ
تالله لو علمت ما وراءكا *** لما ضحكت ولأكثرت البكا
قد حفت الجنة بالمكارهِ *** والنار بالذي النفوس تشتهي

فسبحان من بسط ميزان العدل للعادلين! ونشر القبول للمقبولين! وفتح باب التوبة للتائبين!
فمن مقبل ومدبر، ومن سعيد وشقي، ومن تائب وخائب.

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌صَلُّوا ‌عَلَيْهِ ‌وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة