الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

دروس وعِبر في فتح مكة

دروس وعِبر في فتح مكة

دروس وعِبر في فتح مكة

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار..
ثم أما بعد، أيها المسلمون:
تهتمّ الأمم جميعاً بتاريخها، وتعتزُّ بأخبار وسِيَر قادتها، إذ ترى في ذلك حفظاً لأصالتها ودعامةً لهويتها، وليس عجيباً أن يعتني المسلمون بسيرة نبيهم صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أن السيرة النبوية ليست سيرة رجلٍ عادي، بل هي سيرة أعظم مخلوقٍ وأفضل نبي وطأت قدماه الثرى إلى قيام الساعة، نبي قال ربه سبحانه عن رسالته وأخلاقه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}(الأنبياء:107)، {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}(القلم:4)، وقد كان سلفنا الصالح رضي الله عنهم يُعظّمون هذه السيرة المباركة، ويحفظونها ويعلّمونها أبناءهم.
وحديثنا اليوم عن يومٍ في سيرة وحياة نبينا صلى الله عليه وسلم، يوم من أعظم أيام الإسلام، يومٍ أظهر الله فيه دينه، ونصر عبده، وأعز جنده، واستنقذ بيته الحرام من أيدي الكفار والمشركين، إنه يوم الفتح الأعظم، فتح مكة، ذلك اليوم المبارك الذي كان في العاشر من رمضان من السنة الثامنة للهجرة، واستبشر به أهل السماء، وأشرقت له الأرض، ودخل الناس فيه في دين الله أفواجاً، وقد أشار الله عز وجل إلى هذا الحدث واليوم الجليل في قوله سبحانه: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}(النصر:1)..
وإذا أُطلق "الفتح" انصرف الذهن مباشرةً إلى فتح مكة الذي غيّر مجرى التاريخ، على الرغم من أن فتوحاتٍ قبله قد وقعت، كخيبر وصلح الحديبية، ولما كان فتح مكة بهذه المنزلة صار ما قبله شيئاً وما بعده شيئاً آخر، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: (لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ) رواه مسلم.
لقد كان فتح مكة لحظة فاصلة في تاريخ المسلمين، بل في تاريخ البشرية، وبداية مرحلة جديدة من النصر والتمكين، وانتشار نور الله في الآفاق والأرض كلها..
فتعالوا بنا نقف في عجالة سريعة مع بعض أحداث هذا اليوم العظيم ودروسه البليغة..
لمّا عزم النبي صلى الله عليه وسلم على دخول مكة خرج من المدينة المنورة في عشرة آلاف من أصحابه، وكان ذلك في رمضان من العام الثامن للهجرة، وبلغ قريشاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قادمٌ بجيشه، فخرج أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء يتحسّسون الخبر، حتى إذا دنَوا من معسكر المسلمين رأوا ناراً عظيمة، فأخذهم بعض الصحابة وجاؤوا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد نصح العباس رضي الله عنه أبا سفيان أن يطلب الأمان من النبي صلى الله عليه وسلم، وحمله معه حتى أدخله عليه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ويحك يا أبا سفيان، أما آن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ أما آن لك أن تعلم أني رسول الله؟) رواه الطبراني، فأسلم أبو سُفيان وشهد شهادة الحق..
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُوقف أبو سفيان رضي الله عنه في مكان يرى منه جيش المسلمين يمرّ أمامه كتيبةً بعد كتيبة، فيزداد يقيناً، فمرّ سعد بن عبادة رضي الله عنه برايته، فقال لأبي سفيان: "اليوم يوم الملحمة تُستحل فيه الكعبة"، فبلغ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ما قاله سعد بن عُبادة فقال: (كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظّم الله فيه الكعبة، ويوم تُكسى فيه الكعبة) رواه البخاري.

عباد الله:
دخل جيش الفتح بقيادة المصطفى صلى الله عليه وسلم مكة، فدخلها صلى الله عليه وسلم وهو مطأطِئٌ رأسه تواضعا وشاكرا لربه، حتى كادت ذقنه تمسّ واسطة الرَحْل، يقرأ سورة الفتح مستشعراً نعمة الله، وغفرانه، ونصره المبين.. وما كان هذا الفتح إلا خاتمةَ صبرٍ طويل، فهنا في مكة وضع المشركون على رأسه التراب، وخنقه أحدهم حتى كاد أن يموت، وهنا ضيّقوا عليه وآذوه حتى خرج إلى الطائف فرُمي بالحجارة حتى أُدْمِيَت قدماه، ومِن هنا أُخرج مهاجراً إلى المدينة، وهنا لقي أصحابه شتّى صنوف العذاب، حتى هاجر بعضهم إلى الحبشة فراراً بدينهم، واليوم يعود صلى الله عليه وسلم منصوراً مؤيَّداً، وقد صدق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وكلما استشعر نعمة الفتح ازداد لله خشوعاً وتواضعاً.
ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد الحرام تحفّ به جموع المهاجرين والأنصار كالكواكب حول البدر، وفي الحرم ثلاثمائةٍ وستون صنماً، فجعل يطعنها بعودٍ في يده وهو يتلو: {جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ}(الإسراء:81)، واستدعى عثمان بنَ أبي طلحة بمفتاح الكعبة، غير أنه امتنع أن يدخلها وفيها الأصنام، فأُخرجت كلها، وأزيلت الصور التي علّقها أهل الجاهلية، ومنها صورة إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام وفي أيديهما الأزلام، وهي أقلام أو قِداح كانوا في الجاهلية يكتبون على بعضِها: نهاني رَبِّي، وعلى بعضِها: أمَرَني رَبِّي، فقال صلى الله عليه وسلم: (قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، أَما واللَّهِ لقَدْ عَلِمُوا أنَّهُما لَمْ يَسْتَقْسِما بهَا قَطُّ، فَدَخَلَ البَيْتَ، فَكَبَّرَ في نَوَاحِيهِ) رواه البخاري.

ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم من داخل الكعبة بعد تطهيرها، فإذا قريش قد ملأت المسجد الحرام ترقب ما سيفعل بها، وقد خيّم الصمت وشخصت الأبصار تنتظر حكم الفاتح المنتصر الذي لاقَى منهم ما لاقى، فنظر إليهم وقال: (يا معشرَ قريشٍ ما تقولونَ؟ قالوا: نقولُ ابنُ أخٍ وابنُ عمٍّ رحيمٌ كريمٌ، ثمَّ أعادَ عليهمُ القولَ ما تقولونَ؟ قالوا مثلَ ذلِك، قال فإنِّي أقولُ كما قال أخي يوسف {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}(يوسف:92)، اذهبوا فأنتم الطلقاءُ، فبايعوهُ على الإسلامِ) والحديث ضعفه بعض العلماء وصححه آخرون، وقد أُشير إلى هذا العفو النبوي العام عن أهل مكة في قوله صلى الله عليه وسلم: (الطُّلَقاءُ مِن قُريشٍ، والعُتَقاءُ مِن ثَقيفٍ) رواه أحمد.

وكان العباس رضي الله عنه يعرف ما في نفس أبي سفيان من حُبّ الفخر، فقال: يا رسول الله، اجعل له شيئاً، فأعلن النبي صلى الله عليه وسلم نداءه الشهير، المتضمّن رحمته وعفوه وحرصه على حقن الدماء: (مَن دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهو آمِنٌ، وَمَن أَلْقَى السِّلَاحَ فَهو آمِنٌ، وَمَن أَغْلَقَ بَابهُ فَهو آمِنٌ) رواه مسلم. وهكذا تجلّت رحمته صلى الله عليه وسلم في يوم فتح مكة، وتمكين الله تعالى له، إذ دخلها دخول نبي كريم، دخول مَنْ أرسله الله رحمة للعالمين، لا دخول منتقم ولا جبار، ولو شاء أن يثأر وينتقم لفعل، ولكن هذا ليس مِنْ صفاته وأخلاقه، فعفا صلى الله عليه وسلم عمّن آذوه، وصفح عمّن أخرجوه، فكان فتح مكة يومًا مُبارَكًا، تُعظَّمُ فيه الكَعبة، وتُعَزُّ فيه قُرَيشٌ بالإسْلامِ..
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..

الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:

أيها المسلمون: لقد خشي الأنصار ـ بعد فتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجاً ـ أن يحنَّ النبي صلى الله عليه وسلم إلى قومه وبلده وأن يتركهم، فطمأنهم صلى الله عليه وسلم وبشّرهم بما أسعدهم، فقال: (قُلتُمْ: أَمَّا الرَّجُلُ فقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بعَشِيرَتِهِ، وَرَغْبَةٌ في قَرْيَتِهِ، أَلَا فَما اسْمِي إذنْ؟ -ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- أَنَا مُحَمَّدٌ عبدُ اللهِ وَرَسولُهُ، هَاجَرْتُ إلى اللهِ وإلَيْكُمْ، فَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ) رواه مسلم. تلك الكلمات العظيمة كشفت محبته صلى الله عليه وسلم للأنصار، وما كان عليه الأنصار من شدة وعظيم حبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ما أعظم فتح مكة، وقلّ أن يجد المتأمّل في تاريخ البشرية فتحاً يماثله في سمو قيمه وروعة مواقفه، يومٌ اجتمع فيه العزّ بالتواضع، والنصر بالعفو، والقوة بالرحمة، فكان بحقّ يوم الفتح الأعظم ويوم المرحمة..

وختاما، عباد الله:
لقد تعرّض الإسلام ونبيّه الكريم صلى الله عليه وسلم لحملات تشويه قديمة وحديثة، ادّعت زوراً وبهتاناً أن الإسلام دين عنف، وأن نبيَّه رجل حربٍ وإراقة دماء، وتغافلت تلك الافتراءات عن صفحات الرحمة في سيرته، وعن مواقفه في عفوه ورحمته في السلم والحرب، وعن رغبته في الصلح، وحسن تعامله مع الأسرى، وعفوه يوم فتح مكة عن أهلها الذين آذوه وأخرجوه..
والحقّ الذي تشهد به السيرة ويصدع به التاريخ، أن البشرية لم تعرف محارباً أرحم من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بأعدائه، ولا فاتحاً أعدل منه، ومن سيرته ووصاياه لصحابته وقادة جيوشه يتجلّى فيها المنهج الأخلاقي العظيم الذي سنّه وطبّقه، وسار عليه أصحابه رضوان الله عليهم من بعده ـ في السلم والحرب ـ، ذلكم المنهج الذي يفيض رحمةً وعدلاً، ورفقاً وعفوا، قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}(الأنبياء:107). وقال صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس: إنما أنا رحمة مُهداة) رواه الحاكم.

هذا وصلوا وسلموا على نبيكم، السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(الأحزاب:56).

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة