الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده سبحانه ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفوته من خلقه وحبيبه، معلم البشرية، وهادي البرية، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الأخيار، وصحبه الأبرار، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران:102).
أما بعد، أيها المسلمون:
لقد أصبحت مظاهر الخوف والقلق وفقدان الطمأنينة، مشهداً مألوفاً في حياتنا المعاصرة، رغم ما نعيش فيه من كثرة وسائل الراحة، وتطور أسباب الأمان المادي، إلا أن الأمن الحقيقي ـ أمن القلوب والنفوس ـ قد فُقِد أو كاد، فأصبح كثير من الناس يعيشون قلقاً في قلوبهم، وخوفاً على أرزاقهم، واضطراباً في أُسرهم ومجتمعاتهم، وما ذلك إلا لأن الإيمان ضعف، واليقين قلّ، والمعاصي كثرت، والبُعد عن الله اتسع واشتدّ.. ومن هنا كانت حاجتنا ماسّة ـ بل ضرورة مُلحّة ـ إلى أن نُذكّر أنفسنا بأن الإيمان هو أساس الأمان للأفراد والمجتمعات، وأنه لا أمن بلا إيمان، ولا طمأنينة بلا يقين.
وإذا كان ضعف الإيمان سببًا في ضياع الأمن واضطراب الحياة، فإن الإيمان الصادق هو المفتاح الحقيقي لكل سعادة وأمان، فكما أن الجسد لا حياة له بلا روح، فإن القلب لا حياة له بلا إيمان، ومن هنا كان الإيمان بالله روحَ الحياة وضياء القلوب، وهو السِّرُّ الأعظم في سعادة الإنسان في دنياه وأخراه، إنه النور الذي يُضيء الطريق، والزاد الذي يُعين على الصبر، والسكينة وإن اشتدت الكروب، قال الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(النحل:97).
الإيمان هو الحصن الحصين من المخاوف والفتن، والدرع الواقية من القلق والاضطراب، فمن عَمَّر اللهُ قلبه بالإيمان، وملأ صدره باليقين، عاش الأمن الحقيقي ولو فَقَد الدنيا بأسرها، ومَنْ فَقَدَ الإيمان عاش الخوف ولو امتلك الدنيا بما فيها، وكلما تمسكت الأمة بربها، وصدقت في إيمانها، وأقامت شريعة الله في واقعها، أكرمها الله بالنصر والعز والتمكين، والأمن والاطمئنان، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}(الأنعام:82). ووعَد اللهُ وعدًا صادقًا فقال جل شأنه: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا}(النور:55). فهذا وعد رباني لا يتخلّف، أنَّ الأمن والتمكين ثمرة الإيمان والعمل الصالح، وأن الخوف والاضطراب نتيجة الكفر والعصيان، فمن أراد الأمن فليجدّد الإيمان، ومن ابتغى الطمأنينة فليلزم طاعة الرحمن، فإن الأمن في الأرض ثمرة الأمن في القلب، ولا أمن لقلب خالٍ من الإيمان..
عباد الله: إذا كان الإيمان الصادق هو طريق الأمن والسكينة، فإن ضعف الإيمان هو أول طريق الخوف والاضطراب، فمتى ابتعدت القلوب عن خالقها، وغفلت عن ذكره، وتمادى الناس في معاصيهم، تبدّل الأمن خوفًا، والطمأنينة قلقًا، والسعادة همًّا وغُمًّا، فما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفع إلا بتوبة، وإذا فسدت القلوب فسدت الحياة، وإذا ضاع الإيمان ضاع الأمان.
وإن من أعظم ما يُفقِد الأمن والاستقرار، ويُذهب السكينة والاطمئنان، ويجلب الفتن والمحن، هو ضعف الإيمان في القلوب، وجرأة الناس على حدود الله، وارتكاب المعاصي والمنكرات، وإذا كان الرجل يُحْرَم الرزق بالذنب يصيبه، فكيف بالأمن إذا انتُهِكت الحرمات، وضاع الإيمان؟!! قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونورًا في القلب، وسعةً في الرزق، وقوةً في البدن، ومحبةً في قلوب الخلق، وإن للسيئة سوادًا في الوجه، وظلمةً في القبر والقلب، ووَهَنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبُغضًا في قلوب الخلق."
فهل يُرجى أمنٌ مع معصية؟ أو طمأنينةٌ مع بُعدٍ عن الطاعة؟! أيُرجى أمانٌ لمن أضاع الإيمان، وبارز الله بالعصيان؟! كلا والله، فالإيمان هو حصن الأمان للفرد والمجتمع والأمة، فإذا تهدّم هذا الحصن، تسلّل الخوف إلى القلوب، واضطربت الحياة، وفُقد الأمن والأمان..
أيها المؤمنون: الإيمان بالله هو أساس الأمن والسعادة، والعزة والنصر، وقد تجلى هذا في واقع الأمة حين أشرقت شمس النبوة، وبزغ نور الرسالة، فقد كان الناس قبل بعثة نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم يعيشون في جاهليةٍ جهلاء، واضطرابٍ وخوفٍ ودماء، يعبدون الأصنام، ويقتتلون لأتفه الأسباب، فلما أرسل الله إليهم نبيَّه صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، ورباهم على الإيمان الصادق بالله، تبدّل حالُهم من خوفٍ إلى أمن، ومن فرقةٍ إلى وحدة، ومن ذلٍّ إلى عزٍّ، قال الله تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا}(آل عمران:103)، فأبدل الله خوفهم أمنًا، وجهلهم عِلمًا، وضعفهم قوة، وبعد أن كانوا رعاةً للغنم صاروا قادةً للأمم، ونصرهم الله على أعدائهم، وصدق الله إذ يقول: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}(االروم:47)، وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}(محمد:7).
فلن يتحقق لنا نصر على أعدائنا، ولن يسود الأمن في نفوسنا وبيوتنا ومجتمعاتنا إلا بصدق الإيمان بالله، وبالرجوع إلى طاعته، والمحافظة على أوامره، وترك معاصيه، والقيام بشكر نعمه، وبقدر ما يكون الإيمان في القلوب يكون الأمن في الحياة، بل إذا عمرت القلوب بالإيمان، عاشت الأرواح في رضًا وسعادة وأمان، ولو لم تملك من الدنيا إلا قوت يومها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَن أصبحَ منكم آمنًا في سربِهِ، مُعافًى في جسدِهِ عندَهُ قوتُ يومِهِ، فَكَأنَّما حيزت لَهُ الدُّنيا) رواه الترمذي.
فالأمن لا يُشترى بالمال، ولا يُصنع بالقوة، وإنما يُزرع في القلوب بالإيمان، ويُثبَّت بالطاعة، ويُصان بالتقوى، وما أنعم الله عز وجل على عباده نعمة بعد الإيمان أعظم من نعمة الأمن في الأوطان، فهل تكون حياةٌ وسعادةٌ مع خوفٍ واضطراب؟!
إن عمارة الأرض لا تكون إلا بالأمن، وإن الأمن لا يكون إلا بالإيمان الصادق بالله، ونصرة دينه، والاستقامة على شرعه، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}(النحل:97).
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الإيمان حصنًا حصينًا، وركنًا متينًا، من دخله كان آمنًا مطمئنًّا، ومن أعرض عنه عاش في خوف واضطراب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الطمأنينة والأمن جزاءً لأهل الإيمان والتقوى والإحسان، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا..
أما بعد، أيها المسلمون:
واجبُنا اليوم ـ صغارًا وكبارًا، رجالًا ونساءً ـ أن نسعى بكل جدٍ وإخلاص إلى كل ما من شأنه رفعة مكانتنا في الدنيا والآخرة، وما يحقق لنا الأمنَ والأمانَ في نفوسنا وأسرِنا ومجتمعاتنا، ولن يكون ذلك إلا بالتمسكِ بالإسلام، والتحليِ بالإيمان الصادق، الذي يملأ القلوبَ مراقبةً لله وتقوى، ويثمرُ محافظةً على الصلاة والعبادة، وشكرًا لنعم الله، وابتعادًا عن الذنوب والمعاصي..
واعلموا ـ عباد الله ـ أن الإيمان بالله ليس كلمةً تُقال، ولا دعوى تُدّعى، بل لا بد مع الإيمان من عملٍ صالح يُصدّقه، فالإيمان الصحيح الذي يجعله الله سببًا للأمن والأمان والسعادة في الدنيا والآخرة، لا بد أن يظهر أثرُه في حياتنا واقعًا عمليًّا: محافظةً على الصلوات، وابتعادًا عن المعاصي والمنكرات، ومراقبةً لله في السرّ والعلن، وتحلِّيًا بالأخلاق الفاضلة وحُسن المعاملات، وبرًّا بالوالدين، وإحسانًا إلى الزوجة والأولاد، والأصحاب والجيران.
ولذلك عرَّف العلماء معنى الإيمان بتعريفٍ جامع فقالوا: "الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان (القلب)، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة ويتقص بالعصيان". وقال الحسن البصري: "ليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، وإن قوما غرتهم الدنيا حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم وقالوا: نحن نحسن الظن بالله، وكذبوا فل أحسنوا الظن لأحسنوا العمل"..
فليكن كلُّ مسلمٍ عينًا أمينةً على أمن نفسه وأسرته ومجتمعه، يربي أولاده على الإيمان، ويغرس فيهم الخوف من الله وحب العبادة والطاعة، ولْنعلم جميعا أن اختلال الأمن في المجتمعات سببه البعد عن الإيمان، وكثرة الذنوب والعصيان، ومخالفة أوامر الله ورسوله، فإن المعاصي إذا انتشرت أهلكت، قال الله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير}(الشورى:30)، وقال سبحانه: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}(الأنفال:53)، وقال جل شأنه: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا}(النور:54)..
فاتقوا الله عباد الله، وارجعوا إلى ربكم، وجدّدوا الإيمان في قلوبكم، تسعدوا بالأمن في دنياكم، وتفوزوا بالنعيم في أخراكم..
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(الأحزاب:56).
فتاوى الحج
مقالات الحج
تسجيلات الحج
استشارات الحج






