الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد  الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم  يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب  

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم قال مجاهد: يعني التجارة، والمعنى: أنفقوا، أي: أدوا الزكاة.

                                                                                                                                                                                                                                      ما كسبتم بالتجارة والصناعة من الذهب والفضة، ومما أخرجنا لكم من الأرض يعني: الحبوب مما تجب فيه الزكاة، ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون التيمم: القصد والتعمد، يقال: أممته وتيممته ويممته.

                                                                                                                                                                                                                                      أي: قصدته.

                                                                                                                                                                                                                                      قال المفسرون: كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ورذالة أموالهم، فأنزل الله تعالى: ولا تيمموا الخبيث يقول: لا تقصدوا إلى الرديء من أموالكم فتنفقونه في سبيل الله.

                                                                                                                                                                                                                                      وقراءة العامة: ولا تيمموا مخففة التاء، وعلى حذف إحدى التاءين; لأن الأصل: لا تتيمموا، وقرأ ابن كثير: مشددة التاء على الإدغام.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: ولستم بآخذيه أي: يأخذ ذلك الرديء الخبيث لو كان لكم على إنسان حق، إلا أن تغمضوا فيه والإغماض في اللغة: غض البصر وإطباق جفن على جفن، ثم صار عبارة عن التسامح والتساهل في البيع وغيره.

                                                                                                                                                                                                                                      يقول: أنتم لا تأخذونه إلا بتساهل، فكيف تعطونه في الصدقة؟ [ ص: 382 ] وفي هذا بيان أن الفقراء شركاء رب المال في ماله، فإذا كان ماله جيدا فهم شركاؤه في الجيد، والشريك لا يأخذ الرديء من الجيد إلا بالتساهل.

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو إبراهيم إسماعيل بن إبراهيم الصوفي، أخبرنا أبو عمرو بن مطر، أخبرنا أحمد بن الحسين بن نصر الحذاء، أخبرنا علي ابن المديني، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، حدثني صالح بن أبي عريب، عن كثير بن مرة، عن عوف بن مالك الأشجعي قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم - ونحن في المسجد - وبيده عصا، وقد علق رجل منا قنو حشف، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعن القنو بالعصا، ويقول: " لو أن صاحب هذا، أو قال: رب هذا، تصدق بصدقة أطيب من هذا،  ثم قال: إن صاحب هذا يأكل الحشف يوم القيامة".

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 383 ] وقوله: واعلموا أن الله غني أي: عن صدقات الناس، حميد على إحسانه وإنعامه.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: الشيطان يعدكم الفقر أي: يخوفكم بالفقر على إنفاق المال والتصدق به.

                                                                                                                                                                                                                                      يقول: أمسك مالك فإنك إن تصدقت افتقرت.

                                                                                                                                                                                                                                      ويأمركم بالفحشاء أي: البخل ومنع الزكاة.

                                                                                                                                                                                                                                      والله يعدكم أي: يجازيكم على صدقاتكم، مغفرة منه لذنوبكم، وفضلا وهو أن يخلف عليكم ما أنفقتم، والله واسع الفضل لمن أنفق، عليم بمن ينفق ومن لا ينفق.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى: يؤتي الحكمة من يشاء قال ابن عباس والمفسرون: يعني القرآن والفهم فيه.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الحسن: يعني الورع في دين الله. ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا قال مجاهد: ليست بالنبوة، ولكنه القرآن والعلم والفقه.

                                                                                                                                                                                                                                      وما يذكر إلا أولو الألباب أي: ما يتعظ إلا ذوو العقول.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية