الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      بسم الله الرحمن الرحيم.

                                                                                                                                                                                                                                      يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل  إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون  لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير  

                                                                                                                                                                                                                                      يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي ، نا أبو العباس المعقلي ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن الحسن بن محمد بن علي ، عن عبيد الله بن أبي رافع ، قال: سمعت عليا رضي الله عنه، يقول: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والمقداد والزبير ، فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب، فخرجنا تتعادى بنا خيلنا، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا لها: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب، [ ص: 282 ] فقلنا لها: لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة يخبر ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذا يا حاطب ؟ فقال: لا تعجل علي إني كنت امرأ ملصقا في قريش، ولم أكن من نفسها، وقال: من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها قراباتهم، ولم تكن لي بمكة قرابة، فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ عندهم يدا، والله ما فعلته شكا في ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه قد صدقت، فقال عمر : يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، ونزلت يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء  الآية، رواه البخاري ، عن الحميدي ، ورواه مسلم ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وجماعة كلهم عن سفيان قال المفسرون: إن الآية نزلت في حاطب ، حين كتب إلى مشركي قريش يخبرهم بمسير النبي صلى الله عليه وسلم إليهم لما قصد فتح مكة ، ينهاه الله عن موالاة الكفار.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: تلقون إليهم بالمودة قال الزجاج : تلقون إليهم أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وسره، بالمودة التي بينكم وبينهم، وقد كفروا والواو للحال؛ لأن المعنى: وحالهم، وقد كفروا بما جاءكم من الحق يعني: القرآن، يخرجون الرسول وإياكم من مكة ، أن تؤمنوا لأن تؤمنوا، كأنه قال: يفعلون ذلك لإيمانكم، بالله ربكم إن كنتم خرجتم هذا شرط جوابه متقدم، وهو قوله: لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ، وقوله: جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي منصوبان لأنهما مفعول لهما، تسرون إليهم بالمودة [ ص: 283 ] قال مقاتل : النصيحة.

                                                                                                                                                                                                                                      ثم ذكر أنه لا يخفى عليه من أحوالهم شيء، فقال: وأنا أعلم بما أخفيتم من المودة للكفار، وما أعلنتم أظهرتم بألسنتكم، ومن يفعله منكم يعني: الإسرار والإلقاء إليهم، فقد ضل سواء السبيل أخطأ طريق الهدى.

                                                                                                                                                                                                                                      ثم أخبر بعداوة الكفار، فقال: إن يثقفوكم يظفروا بكم، يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم بالضرب، وألسنتهم بالشتم، وودوا لو تكفرون كما كفروا، والمعنى: التقريب إليهم بنقل أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم.

                                                                                                                                                                                                                                      لن تنفعكم أرحامكم يعني: قراباتهم، والمعنى: ذوو أرحامكم، يقول: لا تدعونكم، ولا تحملنكم قراباتكم، وأولادكم التي بمكة إلى خيانة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، فلن ينفعكم أولئك الذي عصيتم الله لأجلهم، يوم القيامة يفصل الله، بينكم فيدخل أهل طاعته والإيمان به الجنة، وأهل معصيته والكفر به إلى النار، وقرأ ابن كثير : يفصل بضم الياء، والمعنى: راجع إلى الله، كما أن قوله: خلق الإنسان من عجل معناه: خلق الله الإنسان، وقرئ من التفصيل بالوجهين أيضا، والله بما تعملون بصير يعني: بما عمل حاطب من مكاتبته أهل مكة ، حيث أخبر نبيه بذلك.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية