الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 476 ] وقال قتادة : لما نعت الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله: أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت  وإلى السماء كيف رفعت  وإلى الجبال كيف نصبت  وإلى الأرض كيف سطحت  فذكر إنما أنت مذكر  لست عليهم بمصيطر  إلا من تولى وكفر  فيعذبه الله العذاب الأكبر  إن إلينا إيابهم  ثم إن علينا حسابهم  

                                                                                                                                                                                                                                      أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وكانت الإبل عيشا من عيشهم، يقول: أفلا ينظرون إليها، وما يخرج الله من ضروعها، من بين فرث ودم لبنا خالصا، سائغا للشاربين؟ ! يقول: فكما صنعت هذا لكم، فكذلك أصنع لأهل الجنة في الجنة.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال أبو عمرو بن العلاء : خص الإبل؛ لأنها من ذوات الأربع، تبرك فتحمل عليها الحمولة، وغيرها من ذوات الأربع لا يحمل عليه، إلا وهو قائم، وقال الزجاج : نبههم على عظيم من خلقه، قد ذلله الصغير، يقوده، وينيخه، وينهضه، ويحمل عليه الثقيل من الحمل وهو بارك، فينهض بثقل حمله، وليس ذلك في شيء من الحوامل غيره، فأراهم عظيما من خلقه، ليدل بذلك على توحيده.

                                                                                                                                                                                                                                      وسئل الحسن عن هذه الآية، وقيل له: الفيل أعظم في الأعجوبة. فقال: أما الفيل فالعرب بعيدة العهد به، ثم هو خنزير لا يركب ظهره، ولا يؤكل لحمه، ولا يحلب دره، والإبل من أعز مال العرب وأنفسه، تأكل النوى والقت، وتخرج اللبن، ويأخذ الصبي بزمامها، فيأخذ بها حيث شاء من عظمها في نفسها.

                                                                                                                                                                                                                                      ويحكى: أن فأرة أخذت بزمام ناقة، فجعلت تجره وهي تتبعها، حتى دخلت في الجحر، فجرت الزمام، فبركت، فجرت، فقربت فمها من جحر الفأرة، وكان شريح يقول: اخرجوا بنا إلى الكناسة، حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت.

                                                                                                                                                                                                                                      ثم قال الله: وإلى السماء كيف رفعت / يعني: من الأرض، حتى لا ينالها شيء، بغير عمد.

                                                                                                                                                                                                                                      وإلى الجبال كيف نصبت على الأرض مرساة لا تزول.

                                                                                                                                                                                                                                      وإلى الأرض كيف سطحت بسطت، والسطح بسط الشيء، ويقال لظهر البيت إذا كان مستويا: سطح. قال عطاء ، عن ابن عباس : يقول: هل يقدر أحد أن يخلق مثل الإبل، أو يرفع مثل السماء، أو ينصب مثل الجبال، أو يسطح مثل الأرض، غيري؟  وهل يفعل مثل هذا الفعل أحد سواي؟ قوله: فذكر [ ص: 477 ] إنما أنت مذكر فعظ إنما أنت واعظ، ولم يؤمر إذ ذاك إلا بالتذكرة، يدل عليه قوله: لست عليهم بمصيطر أي: بمسلط فتقتلهم، وتكرههم على الإيمان، ثم نسختها آية القتال، وقد تقدم تفسير المسيطر عند قوله: أم هم المصيطرون .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: إلا من تولى استثناء منقطع عما قبله، معناه: لكن من تولى وكفر بعد التذكير: فيعذبه الله العذاب الأكبر وهو: أن يدخله النار، ولا عذاب أعظم منها.

                                                                                                                                                                                                                                      ثم ذكر أن مرجعهم إليه، فقال: إن إلينا إيابهم رجوعهم، ومصيرهم بعد الموت، يقال: آب يؤوب أوبا وإيابا. وأما "إيابهم" بتشديد الياء، فشاذ، لم يجزه أحد غير الزجاج ، فإنه قال: يقال: أيب إيابا على فيعل فيعالا. ثم إن علينا حسابهم يعني: جزاءهم بعد المرجع إلى الله تعالى   .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية