قوله : يا أيها الناس اتقوا ربكم قال الخطاب لأهل مكة . ابن عباس :
[ ص: 4 ] الذي خلقكم من نفس واحدة يعني : آدم ، وخلق منها زوجها حواء خلقت من ضلع من أضلاع آدم ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : "إن المرأة خلقت من ضلع ، فإن ذهبت تقيمها كسرتها ، وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها " .
وقوله : وبث أي : فرق ونشر ، والبث التفريق ، ومنه قوله : وزرابي مبثوثة أي : متفرقة في المجالس ، وخلق الله الخلق فبثهم في الأرض .
وقوله : منهما أي : من آدم وحواء ، وهما أبوا البشر ، وفي هذا حيث خلق بيان قدرة الله تعالى ، آدم وكان نفسا واحدة ، ثم خلق منه حواء ، ثم خلق منهما الرجال والنساء على كثرتهم .
قوله : واتقوا الله الذي تساءلون به أي : تتساءلون ، فأدغم التاء في السين ومن خفف حذف ولم يدغم ، والمعنى : تتساءلون فيما بينكم حوائجكم وحقوقكم به ، فتقولون : أسألك بالله ، وأنشدك بالله ، ونشدتك الله ، وكذا كانت العرب تقول له .
[ ص: 5 ] وقوله : والأرحام قال قتادة ، ومجاهد ، والسدي ، والضحاك ، وابن زيد ، والفراء ، واتقوا الأرحام أن تقطعوها ، فهي عطف على اسم الله في قوله : واتقوا الله . والزجاج :
والمعنى : واتقوا الأرحام فصلوها ولا تقطعوها وهذا ينبئ بوجوب صلة الرحم .
أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ، أخبرنا أبو علي الميداني ، حدثنا حدثنا محمد بن يحيى الذهلي ، أخبرنا عبد الرزاق ، عن معمر ، حدثني الزهري ، أبو عبد الرحمن ، أن ردادا الليثي أخبره ، عن أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : عبد الرحمن بن عوف ، " قال الله تعالى : أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ، ومن قطعها بتته" .
أخبرنا أبو إبراهيم إسماعيل بن إبراهيم الصوفي ، أخبرنا محمد بن علي القفال الشاشي ، أخبرنا الحسين بن موسى بن خلف الرسعني ، حدثنا إسحاق بن سيار ، حدثني عمران بن هارون الرملي ، حدثني حدثني سليمان بن حيان ، داوود بن أبي هند ، عن عن الشعبي ، ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ابن عباس " إن الله ليعمر بالقوم الديار ويكثر لهم الأموال ، وما نظر إليهم مذ خلقهم بغضا ، قيل : وكيف ذلك يا رسول الله ؟ قال : بصلتهم أرحامهم" .
[ ص: 6 ] وقرأ والأرحام بالخفض ، وضعف النحويون كلهم هذه القراءة واستقبحوها . حمزة
قال : إجماع النحويين أنه يقبح باسم ظاهر على اسم مضمر في حال الخفض إلا بإظهار الخافض كقوله : الزجاج فخسفنا به وبداره الأرض ، ويستقبح النحويون : مررت به وزيد ؛ لأن المكني المخفوض حرف متصل غير منفصل ، فكأنه كالتنوين في الاسم ، فقبح أن يعطف باسم يقوم بنفسه على اسم لا يقوم بنفسه .
وقال سيبويه : لا يجوز عطف الظاهر على المكني المخفوض من غير إعادة الخافض إلا في ضرورة الشعر وأنشد :
فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا فاذهب فما بك والأيام من عجب
وقوله : إن الله كان عليكم رقيبا الرقيب : الحافظ يقال : رقب يرقب رقبة ورقبا .ومعناه : أنه يرقب عليكم أعمالكم ، فاتقوه فيما نهاكم عنه .
قوله : وآتوا اليتامى أموالهم الخطاب للأوصياء وأولياء اليتامى أي : أعطوهم أموالهم إذا بلغوا ، ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب يقال : تبدل الشيء بالشيء ، إذا أخذه مكانه .
[ ص: 7 ] قال المفسرون : كان ولي اليتيم يأخذ الجيد من ماله ويجعل الرديء مكانه ، فيجعل الزائف بدل الجيد ، والمهزول بدل السمين ، فنهى الله تعالى عن ذلك .
قال : لا تضع بعيرا مهزولا مكان بعير سمين ، تقول : بعير ببعير . السدي
وشاة مهزولة مكان شاة سمينة ، وثوبا خلقا مكان ثوب جديد ، تقول : ثوب بثوب وشاة بشاة .
وأراد بـ "الخبيث " : الحرام ، وهو ما يأخذه من مال اليتيم بدل ماله الحلال ، قوله : ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم أي : لا تضيفوها في الأكل إلى أموالكم ، وقال : يقول : ولا تخلطوها بأموالكم ثم تأكلوها جميعا . السدي
إنه يعني : إن أكل أموالهم كان حوبا كبيرا "الحوب والحوب والحاب " : الإثم الكبير .