الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا  وليخش الذين لو تركوا من خلفهم [ ص: 16 ] ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا  إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا  

                                                                                                                                                                                                                                      قوله وإذا حضر القسمة يعني : قسمة المال بين الورثة ، أولو القربى : ذوو القرابات الذين يحزنون ولا يرثون ، واليتامى والمساكين فارزقوهم منه هذا على الندب والاستحباب ، يستحب للوارث أن يرضخ لهؤلاء بشيء من التركة بقدر ما تطيب به نفسه من الذهب والورق ، ويقول لهم عند قسمة العقار والرقيق ، وقولوا لهم قولا معروفا وهو أن يقول : بورك فيكم .

                                                                                                                                                                                                                                      قال ابن عباس في رواية عطاء ، والكلبي : هذه الآية منسوخة بآية المواريث ، وإباحة الثلث للميت يجعله حيث يشاء من القرابات واليتامى والمساكين .  

                                                                                                                                                                                                                                      قوله : وليخش الذين لو تركوا الآية ، قال ابن عباس في رواية عطاء : كان الرجل إذا حضرته الوفاة قعد عنده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له : انظر لنفسك فإن ولدك لا يغنون عنك من الله شيئا ، فيقدم الرجل ماله ، ويحجب ولده .

                                                                                                                                                                                                                                      وهذا قبل أن تكون الوصية في الثلث ، فكره الله تعالى ذلك منهم وأنزل : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا أي : أولادا صغارا خافوا عليهم الفقر فليتقوا الله فليخافوا الله إذا قعدوا عند أحد من إخوانهم وهو في الموت ، وليقولوا قولا سديدا عدلا ، وهو أن يأمره أن يخلف ماله لولده ، ويتصدق بما دون الثلث ، وهذا قول سعيد بن جبير ، والحسن ، وقتادة ، والسدي .

                                                                                                                                                                                                                                      و"السديد " : العدل والصواب من القول ، يقال : سددا وسدادا وسديدا .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا سماه بما يؤول إليه في العاقبة ، كقوله : أعصر خمرا ومنه قوله عليه السلام في الشارب من آنية الذهب والفضة : "إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أحمد بن عبيد الله بن أحمد المخلدي ، أخبرنا الحسين بن علي بن يحيى الدارمي ، حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن الحسين الماسرجسي ، أخبرنا شيبان بن فروخ ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن أبي هارون العبدي ، عن أبي سعيد الخدري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث المعراج : " فإذا أنا برجال قد وكل بهم رجال يفكون لحاهم ، وآخرون يجيئون بالصخور من النار فيقذفونها في أفواههم فتخرج من أدبارهم ، فقلت يا جبريل : من هؤلاء ؟ قال : الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا   .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن جعفر ، أخبرنا أبو عمرو محمد بن أحمد الحيري ، أخبرنا أحمد بن [ ص: 17 ] علي بن المثنى ، حدثنا عقبة بن مكرم ، حدثنا يونس بن بكير ، أخبرنا زياد بن المنذر ، عن نافع بن الحارث ، عن أبي برزة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يبعث الله عز وجل قوما من قبورهم تأجج أفواههم نارا ، فقيل : من هم يا رسول الله ؟ فقال : ألم تر أن الله يقول إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا  ؟" .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : وسيصلون سعيرا يقال : صلى الكافر النار يصلاها صلا وصلاء ، وهو صال النار .

                                                                                                                                                                                                                                      إذا قاسى حرها وشدتها ، ومنه قوله : إلا من هو صال الجحيم ، ومن ضم الياء فهو من قولهم : أصلاه الله حر النار إصلاء .

                                                                                                                                                                                                                                      قال الله تعالى : فسوف نصليه نارا .

                                                                                                                                                                                                                                      و"السعير " النار المستعرة ، يقال : سعرت النار أسعرها سعرا وهي مسعورة وسعير .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية