الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      ثم ذكر نصيب الإناث من الأولاد فقال : فإن كن يعني الأولاد ، نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ، وأجمعت الأمة على أن : للبنتين الثلثين إلا ما روي عن ابن عباس : أنه ذهب إلى ظاهر الآية وقال : الثلثان فرض الثلاث من البنات لأن الله تعالى قال : فإن كن نساء فوق اثنتين ، فجعل الثلثين للنساء إذا زدن على الثنتين وهذا غير مأخوذ به .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 20 ] ووجه الآية ، أن فوق هاهنا : صلة لا معنى له ، كقوله فاضربوا فوق الأعناق ، يريد : فاضربوا الأعناق .

                                                                                                                                                                                                                                      وسمى البنتين جماعة ؛ لأن الاثنين جماعة عند العرب ، والله تعالى يقول : فقد صغت قلوبكما ، وقال : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ، فسمى التثنية باسم الجمع ، فثبت بهذا البيان أن ثلثي التركة للبنتين ، وأن نصفها للواحدة ، وهو قوله وإن كانت واحدة فلها النصف .

                                                                                                                                                                                                                                      وقرأ نافع واحدة - بالرفع - على معنى : وإن وقعت واحدة ، وتم بيان ميراث الأولاد .

                                                                                                                                                                                                                                      ثم ذكر ميراث الوالدين فقال : ولأبويه يعني : أبوي الميت ، ولم يجر له ذكر فكنى عن غير مذكور ، لكل واحد منهما من الأبوين السدس مما ترك إن كان له للميت ولد ، أو ولد ابن ، واسم "الولد " يقع على ما ولد الابن ، فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث إذا مات ولم يخلف غير أبويه كان ثلث المال للأم ، والباقي للأب .

                                                                                                                                                                                                                                      وقرأ حمزة - بكسر الهمزة - إذا وليتها كسرة أو ياء نحو : فلإمه ، أو بيوت إمهاتكم وفي إمها أتبع الهمزة ما قبلها من الياء والكسرة .

                                                                                                                                                                                                                                      قال أبو إسحاق الزجاج : إنهم استثقلوا الضمة بعد الكسرة في قوله فلأمه وليس من كلام العرب مثل : فعل - بكسر الفاء وضم العين- .

                                                                                                                                                                                                                                      فإن كان للميت أخوان عاد نصيب الأم من الثلث إلى السدس ، وهو قوله : فإن كان له إخوة فلأمه السدس .

                                                                                                                                                                                                                                      وأجمعت الأمة على أن الأخوين يحجبان الأم من الثلث إلى السدس ، والأخ الواحد لا يحجب .  

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 21 ] وابن عباس يخالف في هذه المسألة وهي ما .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرناه أبو إسحاق أحمد بن محمد المفسر ، أخبرنا شعيب بن محمد ، أخبرنا مكي بن عبدان ، حدثنا أبو الأزهري ، حدثنا روح ، حدثنا ابن جريج ، قال : حدثت ، عن ابن أبي ذئب ، عن شعبة ، عن ابن عباس ، أنه دخل على عثمان بن عفان فقال : إن الأخوين لا يردان الأم إلى السدس ،  إنما قال الله تعالى : فإن كان له إخوة فلأمه السدس والأخوان في لسان قومك وكلام العرب ليسا بإخوة ، فقال عثمان : لا أستطيع أن أنقض أمرا كان قبلي وتوارثه الناس وجرى في الأمصار قال العلماء : هذا غلط من ابن عباس لأن الاثنين يسميان بالجمع في كثير من الكلام حكى سيبويه : أن العرب تقول : قد وضعا رحالهما ، يريدون : رحلي راحلتيهما .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال ابن الأنباري : التثنية عند العرب أول الجمع ، ومشهور في كلامهم إيقاع الجمع على التثنية ، ومن ذلك قوله تعالى : وكنا لحكمهم شاهدين ، يعني حكم داود وسليمان عليهما السلام .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 22 ] قوله : من بعد وصية يوصي بها أو دين أي : هذه الأنصبة إنما تقسم بعد قضاء الدين وإنفاذ وصية الميت في ثلثه .

                                                                                                                                                                                                                                      وقرئ : يوصى بفتح الصاد وكسرها ، فمن كسر فلأن المعنى من بعد وصية يوصيها الميت ، ومن فتح الصاد : فإنه يؤول في المعنى إلى يوصى ، ألا ترى أن الموصي هو الميت .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا أي : إنكم لا تدرون أي هؤلاء أنفع لكم في الدنيا فتعطونه من الميراث ما يستحق ، ولكن الله تعالى قد فرض الفرائض على ما هو عنده حكمه منه ، ولو وكل ذلك إليكم لم تعلموا أيهم أنفع لكم فأفسدتم وضيعتم ، وهذا معنى قوله : فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما .

                                                                                                                                                                                                                                      قال عطاء : كان عليما بخلقه قبل أن يخلقهم ، حكيما حيث فرض للصغار مع الكبار .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا أبو منصور المنصوري ، حدثنا علي بن عمر بن مهدي ، حدثنا الحسين بن إسماعيل ، حدثنا يوسف بن موسى ، حدثنا عمرو بن حمران ، عن عوف ، عن سليمان بن جابر الهجري ، قال : قال عبد الله بن مسعود : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : "تعلموا القرآن وعلموه الناس ، وتعلموا العلم وعلموه الناس ، وتعلموا الفرائض وعلموها الناس فإني امرؤ مقبوض ، وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن ، حتى يختلف اثنان في الفريضة ، ولا يجدان من يفصل بينهما " .  

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم النصرأباذي ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي بجرجان ، أخبرنا [ ص: 23 ] محمد بن عبد الله الحضرمي ، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي ، حدثنا حفص بن أبي العطاف ، حدثني أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "تعلموا الفرض وعلموه الناس ، فإنه نصف العلم وهو ينسى ، وهو أول شيء ينزع من أمتي" .  

                                                                                                                                                                                                                                      ثم بين الله تعالى ميراث الأزواج فقال : ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد كل امرأة ماتت ولا ولد لها كان لزوجها نصف ميراثها ، فإن كان لها ولد كان للزوج الربع  وهو قوله : فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين يعين : أن الميراث إنما يستحق بعد إنفاذ الوصية وقضاء الدين .  

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد يعني : للمرأة ربع المال إذا لم يكن للزوج ولد ، فإن كان للزوج ولد كان للمرأة الثمن ، وهو قوله : فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين إلى هاهنا بيان ميراث الأزواج والزوجات .

                                                                                                                                                                                                                                      ثم بين ميراث ولد الأم فقال : وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة كل من مات ولا ولد له ولا والد فهو كلالة ورثته ، وكل وارث ليس بوالد للميت فهو كلالة مورثه .  

                                                                                                                                                                                                                                      فالكلالة : اسم يقع على الوارث والموروث ، إذا كانا بالصفة التي ذكرنا .

                                                                                                                                                                                                                                      يقال : رجل كلالة ، وامرأة كلالة ، وقوم كلالة ، لا تثنى ولا تجمع لأنه مصدر كالدلالة والوكالة .

                                                                                                                                                                                                                                      يقال : كل الرجل يكل كلالة ، أي : صار كلا ، وهو الذي لا ولد له ولا والد ، والمراد بـ "الكلالة " في هذه الآية : الأخ للأم إذا مات .

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 24 ] قوله : وله أخ أو أخت يعني : من الأم بإجماع المفسرين ، وكذلك في قراءة سعد بن أبي وقاص وله أخ أو أخت من أمه .

                                                                                                                                                                                                                                      فلكل واحد منهما السدس قال ابن عباس في رواية عطاء : وله أخ أو أخت من أمه فلكل واحد منهما السدس ، وفرض الواحد من ولد الأم السدس ، فإن كانوا أكثر من واحد اشتركوا في الثلث ، الذكر والأنثى فيه سواء ، وهو قوله : فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار أي : غير مدخل الضرر على الورثة ، وهو أن يوصي بدين ليس عليه ، يريد بذلك ضرر الورثة ، فمنع الله منه .

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله : وصية من الله قال ابن عباس : فريضة من الله ، والله عليم بما دبر من هذه الفرائض حليم عمن عصاه بأن أخر عقوبته وقبل توبته .

                                                                                                                                                                                                                                      قوله جل جلاله : تلك حدود الله قال ابن عباس : يريد ما حد الله من فرائضه في الميراث ، ومن يطع الله ورسوله في شأن المواريث ، يدخله جنات وقرأ نافع بالنون والمعنى فيه كالمعنى بالياء .

                                                                                                                                                                                                                                      ومن يعص الله ورسوله قال مجاهد : فيما افترض من المواريث ، وقال عكرمة عن ابن عباس : من لم يرض بقسم الله ، ويتعد ما قال الله يدخله نارا خالدا فيها ، وله عذاب مهين .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية