الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين  وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم  إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام  إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان  ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب  ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار  

                                                                                                                                                                                                                                      قوله عز وجل: إذ تستغيثون ربكم أي: تطلبون منه المعونة والغوث، قال المفسرون: تستجيرون به من عدوكم وتدعونه بالنصر عليهم [ ص: 446 ] .

                                                                                                                                                                                                                                      أخبرنا سعيد بن محمد بن أحمد بن جعفر، أنا أبو علي بن أبي موسى، أنا إبراهيم بن عبد الله الزينبي، نا بندار، نا عمر بن يونس، نا عكرمة بن عمار، حدثني أبو زميل، حدثني عبد الله بن عباس، عن عمر بن الخطاب، قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاث مائة وبضعة عشر رجلا، فاستقبل القبلة ثم مد يده، فجعل يهتف بربه: " اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض " فما زال يهتف بربه مادا يديه، مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأنزل الله تعالى إذ تستغيثون ربكم  الآية.

                                                                                                                                                                                                                                      رواه مسلم، عن هناد بن السري، عن ابن المبارك، عن عكرمة، وقوله: فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين متتابعين بعضهم في إثر بعض، وقال أبو حاتم: ومعناه: بألف من الملائكة جاءوا بعد المسلمين على آثارهم.

                                                                                                                                                                                                                                      يقال: ردفه وأردفه.

                                                                                                                                                                                                                                      إذا جاء بعده، ومن قرأ بفتح الدال [ ص: 447 ] فمعناه بألف أردف الله المسلمين بهم.

                                                                                                                                                                                                                                      قال مجاهد: الإرداف إمداد المسلمين بهم.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى: وما جعله الله الآية مفسرة في سورة آل عمران.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: إذ يغشيكم النعاس أمنة منه ذكرنا تفسيره عند قوله: ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا الآية، والمعنى: أن الله أمنهم أمنا حتى غشيهم النعاس ومن قرأ: يغشيكم أو يغشيكم، أسند الفعل في هذا إلى الله، وقوله: وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به قال الوالبي، عن ابن عباس: إن المسلمين لما بايتوا المشركين ببدر أصابت منهم جماعة جنابات، وكان المشركون سبقوهم إلى الماء وغلبوهم عليه، فساءهم عدم الماء عند حاجتهم إليه، فأنزل الله تعالى مطرا سال منه الوادي حتى اغتسلوا وتطهروا.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: ويذهب عنكم رجز الشيطان يعني: وسوسته التي تكسب عذاب الله، وذلك أن الشيطان وسوس إليهم، وقال لهم: كيف ترجون الظفر وقد غلبوكم على الماء.

                                                                                                                                                                                                                                      وأنتم تصلون مجنبين ومحدثين وتزعمون أنكم أولياء الله وفيكم نبيه؟ وقوله: وليربط على قلوبكم الربط معناه: الشد، يقال لكل من صبر على أمر: ربط قلبه.

                                                                                                                                                                                                                                      وعلى صلة، والمعنى: وليربط قلوبكم بما أنزل الله من الماء فتثبت ولا تضطرب بوسوسة الشيطان، وقوله:ويثبت به الأقدام وذلك أن المسلمين كانوا قد نزلوا على كثيب تغوص فيه أرجلهم فلبده المطر حتى تثبت عليه الأقدام.

                                                                                                                                                                                                                                      إذ يوحي ربك إلى الملائكة يعني: الذين أمد بهم المسلمين، أني معكم بالعون والنصرة، فثبتوا الذين آمنوا قال مقاتل: يعني: بشروهم بالنصر، فكان الملك يسير أمام الصف في صورة الرجل، ويقول: أبشروا فإن الله ناصركم، وقال الزجاج: جائز [ ص: 448 ] أن يكونوا يثبتونهم بأشياء يلقونها في قلوبهم تقوى بها.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الحسن: " فثبتوا الذين آمنوا بقتالكم المشركين ".

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب قال عطاء: يريد الخوف من أوليائي، فاضربوا فوق الأعناق يعني الرءوس لأنها فوق الأعناق، قال عطاء: يريد كل هامة وجمجمة.

                                                                                                                                                                                                                                      وجائز أن يكون هذا أمر للمؤمنين، وجائز أن يكون أمرا للملائكة وهو الظاهر، قال ابن الأنباري: إن الملائكة حين أمرت بالقتال لم تعلم أين تقصد بالضرب من الناس، فعلمهم الله تعالى أن يضربوا الرءوس، وقوله: واضربوا منهم كل بنان قال ابن عباس، وابن جريج، والسدي: يعني الأطراف من اليدين والرجلين.

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الفراء: يعني الأيدي والأرجل.

                                                                                                                                                                                                                                      قال ابن الأنباري: البنان أطراف الأصابع فاكتفى الله به من جملة اليد والرجل.

                                                                                                                                                                                                                                      ذلك بأنهم أي: ذلك الضرب بأنهم شاقوا الله ورسوله قال ابن عباس: حاربوا الله ورسوله.

                                                                                                                                                                                                                                      والمعنى: خالفوا أمر الله ورسوله، ثم أوعد المخالف لهما بباقي الآية، ذلكم أي ذلك الضرب، فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار وعيد للكفار بعذاب النار بعد ما نزل بهم من ضرب الأعناق وكل بنان.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية