إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار
قوله عز وجل: إذ تستغيثون ربكم أي: تطلبون منه المعونة والغوث، قال المفسرون: تستجيرون به من عدوكم وتدعونه بالنصر عليهم [ ص: 446 ] .
أخبرنا سعيد بن محمد بن أحمد بن جعفر، أنا أبو علي بن أبي موسى، أنا إبراهيم بن عبد الله الزينبي، نا نا بندار، نا عمر بن يونس، حدثني عكرمة بن عمار، حدثني أبو زميل، عن عبد الله بن عباس، قال: عمر بن الخطاب، إذ تستغيثون ربكم نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاث مائة وبضعة عشر رجلا، فاستقبل القبلة ثم مد يده، فجعل يهتف بربه: " اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض " فما زال يهتف بربه مادا يديه، مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأنزل الله تعالى الآية.
رواه عن مسلم، عن هناد بن السري، عن ابن المبارك، وقوله: عكرمة، فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين متتابعين بعضهم في إثر بعض، وقال أبو حاتم: ومعناه: بألف من الملائكة جاءوا بعد المسلمين على آثارهم.
يقال: ردفه وأردفه.
إذا جاء بعده، ومن قرأ بفتح الدال [ ص: 447 ] فمعناه بألف أردف الله المسلمين بهم.
قال الإرداف إمداد المسلمين بهم. مجاهد:
قوله تعالى: وما جعله الله الآية مفسرة في سورة آل عمران.
وقوله: إذ يغشيكم النعاس أمنة منه ذكرنا تفسيره عند قوله: ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا الآية، والمعنى: أن الله أمنهم أمنا حتى غشيهم النعاس ومن قرأ: يغشيكم أو يغشيكم، أسند الفعل في هذا إلى الله، وقوله: وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به قال عن الوالبي، إن المسلمين لما بايتوا المشركين ابن عباس: ببدر أصابت منهم جماعة جنابات، وكان المشركون سبقوهم إلى الماء وغلبوهم عليه، فساءهم عدم الماء عند حاجتهم إليه، فأنزل الله تعالى مطرا سال منه الوادي حتى اغتسلوا وتطهروا.
وقوله: ويذهب عنكم رجز الشيطان يعني: وسوسته التي تكسب عذاب الله، وذلك أن الشيطان وسوس إليهم، وقال لهم: كيف ترجون الظفر وقد غلبوكم على الماء.
وأنتم تصلون مجنبين ومحدثين وتزعمون أنكم أولياء الله وفيكم نبيه؟ وقوله: وليربط على قلوبكم الربط معناه: الشد، يقال لكل من صبر على أمر: ربط قلبه.
وعلى صلة، والمعنى: وليربط قلوبكم بما أنزل الله من الماء فتثبت ولا تضطرب بوسوسة الشيطان، وقوله: ويثبت به الأقدام وذلك أن المسلمين كانوا قد نزلوا على كثيب تغوص فيه أرجلهم فلبده المطر حتى تثبت عليه الأقدام.
إذ يوحي ربك إلى الملائكة يعني: الذين أمد بهم المسلمين، أني معكم بالعون والنصرة، فثبتوا الذين آمنوا قال يعني: بشروهم بالنصر، فكان الملك يسير أمام الصف في صورة الرجل، ويقول: أبشروا فإن الله ناصركم، وقال مقاتل: جائز [ ص: 448 ] أن يكونوا يثبتونهم بأشياء يلقونها في قلوبهم تقوى بها. الزجاج:
وقال " فثبتوا الذين آمنوا بقتالكم المشركين ". الحسن:
وقوله: سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب قال يريد الخوف من أوليائي، عطاء: فاضربوا فوق الأعناق يعني الرءوس لأنها فوق الأعناق، قال يريد كل هامة وجمجمة. عطاء:
وجائز أن يكون هذا أمر للمؤمنين، وجائز أن يكون أمرا للملائكة وهو الظاهر، قال إن الملائكة حين أمرت بالقتال لم تعلم أين تقصد بالضرب من الناس، فعلمهم الله تعالى أن يضربوا الرءوس، وقوله: ابن الأنباري: واضربوا منهم كل بنان قال ابن عباس، وابن جريج، يعني الأطراف من اليدين والرجلين. والسدي:
وقال يعني الأيدي والأرجل. الفراء:
قال البنان أطراف الأصابع فاكتفى الله به من جملة اليد والرجل. ابن الأنباري:
ذلك بأنهم أي: ذلك الضرب بأنهم شاقوا الله ورسوله قال حاربوا الله ورسوله. ابن عباس:
والمعنى: خالفوا أمر الله ورسوله، ثم أوعد المخالف لهما بباقي الآية، ذلكم أي ذلك الضرب، فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار وعيد للكفار بعذاب النار بعد ما نزل بهم من ضرب الأعناق وكل بنان.