وأما الذين اختاروا صوم ذلك من آخر الشهر فإنهم قالوا: إنما جعلنا ذلك في آخر الشهر ، ليكون كفارة لما مضى من ذنوبنا فيما قبل ذلك من أيام الشهر .
والصواب من القول في ذلك عندنا: أن جميع الأخبار التي ذكرناها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، صحاح ، وإن ذلك إذ كان كذلك ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم صحيحا عنه أنه اختار لمن أراد ، فالصواب لمن أراد صوم ثلاثة أيام من الشهر أن يجعلهن الأيام التي اختارهن صلى الله عليه وسلم لمن ذكرنا اختياره له ، وإن كان غير محظور عليه أن يجعل ذلك صوم ما شاء من أيام الشهر ، إذ كان ذلك نفلا ، لا فرضا فإن قال قائل: أوليس قد رويت لنا صوم الثلاثة الأيام من الشهر الأيام البيض ، وأنه كان يصوم الثلاث من غرة الشهر؟ قيل له: إن فعل النبي صلى الله عليه وسلم ما فعل من ذلك غير دال على أن الذي اختار [ ص: 864 ] للأعرابي من تصيير صوم الثلاثة الأيام من الشهر الغر البيض ليس كما اختار ، وإنما ذلك من فعله دليل على أن أمره للأعرابي بما أمره من ذلك ليس بالأمر الواجب ، وأن ذلك إنما هو ندب وإرشاد ، وأن لمن كان من أمته مريدا صوم ثلاثة أيام من كل شهر تخير ما أحب من الشهر ، فيجعل صومه فيما اختار من ذلك ، كما كان صلى الله عليه وسلم يفعله ، فيصوم مرة الأيام البيض ، ومرة من غرة الهلال ، ومرة الاثنين والخميس والخميس ، إذ كان لأمته الاستنان به فيما لم يعلمهم أنه له خاصة دونهم فالاختيار لمن أراد صوم ثلاثة أيام من كل شهر تصيير ذلك في الأيام التي اختارهن صلى الله عليه وسلم للأعرابي وندبه إلى صومهن ، وذلك صوم الأيام البيض ، وله إن شاء ، وإن كان ذلك الاختيار له ، أن يجعلهن من غرة الهلال ، وإن شاء أن يجعلهن الاثنين والخميس والخميس ، وإن شاء أن يجعلهن من آخر الشهر ، فذلك كله موسع عليه فيه ، غير محظور عليه شيء منه ، كالذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله من ذلك على ما وصفنا. أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم الاثنين والخميس والخميس