الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              معلومات الكتاب

              تهذيب الآثار للطبري

              الطبري - محمد بن جرير الطبري

              صفحة جزء
              ذكر البيان عما في هذه الأخبار من الغريب

              فمن ذلك قول عمر: كان المشركون لا يفيضون من جمع حتى تطلع الشمس ، يعني بقوله: لا يفيضون لا يرجعون من المشعر إلى حيث يبدأ المصير إليه من منى حتى تطلع الشمس ولذلك تقول العرب لكل راجع من موضع كان صار إليه من موضع آخر غيره إلى الموضع الذي بدأ منه المصير إليه: أفاض فلان من موضع كذا ، ولذلك قيل لضارب القداح بين الأيسار: مفيض ، لجمعه القداح ، ثم إفاضته إياها بين المياسرين ، ومنه قول بشر بن أبي خازم الأسدي:


              فقلت لها ردي إليه حياته فردت كما رد المنيح مفيض

              [ ص: 890 ] وكان الأصمعي ، يقول: الإفاضة الدفعة ، ويقول: "كل دفعة إفاضة" ، ومنه قيل: أفاض القوم في الحديث ، إذا دفعوا فيه ، وأفاض القوم بالقداح ، إذا دفعوا بها ، وللبعير إذا دفع جرته: أفاض يفيض إفاضة ، وأفاض دمعه فهو يفيضه ، فأما إذا سالت دموع العين ، فإنه يقال: فاضت عين فلان بالدموع ، وفاضت دموع عينه ، كما قال جرير بن عطية:


              وإذا أتيت على المنازل باللوى     فاضت دموعك غير ذات نظام

              ومن ذلك قيل للإناء إذا امتلأ حتى سال ما فيه: "فاض الإناء" ، ومنه فيض البصرة وأما قوله: ويقولون: أشرق ثبير، فإنهم كانوا يعنون بقولهم: أشرق ، أضئ يقال للشمس إذا أضاءت وصفا ضوءها:   " أشرقت الشمس فهي تشرق إشراقا ، فأما إذا طلعت فإنه يقال: شرقت تشرق شروقا ، وذلك قبل أن يصفو ضوءها وأما قولهم: شرقت ، بكسر الراء ، فإنه من غير هذين المعنيين ، وذلك اختلاط الكدورة بها ، وهو من قول الشاعر:


              وتشرق بالقول الذي قد أذعته     كما شرقت صدر القناة من الدم

              [ ص: 891 ] يعني بقوله: شرقت صدر القناة ، اختلط ونشب ، من قولهم: شرق فلان بريقه ، كما قال الآخر:


              لو بغير الماء حلقى شرق     كنت كالغصان بالماء اعتصاري

              يقال منه: شرق فلان بكذا ، يشرق شرقا ، فهو به شرق ، وذلك إذا نشب في حلقه شيء ، إما طعام وإما غيره ، ومنه قول الآخر:


              والزعفران على ترائبها     شرقا به اللبات والنحر

              يعني بقوله: شرقا به ، أنها قد نشبت واختلطت به وأما قولهم: شرق فلان أذن شاته فإنه من غير ذلك كله ، وهو شقها باثنتين ، يقال للشاة إذا فعل ذلك بها: شاة شرقاء ، ومنه الخبر الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه نهى عن أن يضحى بشرقاء ، يعني المشقوقة الأذنين.

              وأما ثبير ، فإنه جبل وهذا الذي ذكر عمر أن المشركين كانوا يقولونه بجمع، عنى الكميت بن زيد الأسدي بقوله: [ ص: 892 ]

              وجمعا حيث كان يقال: أشرق     ثبير ، أنى لدفعة واقفينا
              وموقفهم لأول دفعتيهم     علينا فيه غير مخالفينا
              وقوفا ينظرون به إلينا     لقائلنا الموفق منصتينا

              وأما قولهم: لعلنا نغير ، فإنهم كانوا يعنون بذلك: لعلنا ندفع ، وهو من قولهم: أغار الفرس إغارة الثعلب ، وذلك إذا دفع وأسرع في عدوه ، ومن ذلك قول بشر بن أبي خازم الأسدي:


              فعد طلابها وتعد عنها     بحرف قد تغير إذا تبوع

              وللإغارة وجه غير هذا ، وهو إغارة الحبل ، يقال منه: أغرت الحبل فأنا أغيره إغارة ، وذلك إذا فتلته ، فهو مغار.

              التالي السابق


              الخدمات العلمية