الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              معلومات الكتاب

              تهذيب الآثار للطبري

              الطبري - محمد بن جرير الطبري

              صفحة جزء
              القول في البيان عما في هذه الأخبار من الغريب

              فمن ذلك قول عمر لعبد الرحمن: فهبني صمتا حتى أعهد إلى النفر الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض،  يعني بقوله: هبني، هب لي، كما يقال: صادني صيدا، بمعنى: صاد لي كما قال نابغة بنى ذبيان:


              فتصيدنا العير المدل بحضره قبل الونى، والأشعب النباحا

              وهذه كلمة لا أذكر أنى سمعتها إلا في هذا الحديث، فإن كانت محفوظة، فجائز في الكلام أن يقال: وهبت له درهما ووهبته درهما، كما يقال: صدته صيدا، وصدت له صيدا، وشكرته صنيعه، وشكرت له صنيعه، كما قال أبو نخيلة السعدي:


              شكرتك، إن الشكر حبل من التقى     وما كل من أوليته نعمة يقضي

              فقال: شكرتك، وهو في كتاب الله عز وجل: واشكروا له ، [ ص: 935 ] وأما قول أبي عبيدة بن الجراح لعمر: ما رأيت منك فهة، يعني بقوله: فهة، زلة وسقطة، يقال فه فلان فهو يفه فها وفهاهة، والفهة الفعلة منه، وقد فههت يا فلان، وأنت رجل فه وفهيه، ومنه قول الشاعر:


              فلم تلفني فها، ولم تلف حجتي     ملجلجة أبغي لها من يقيمها

              وأما قول عبد الله: ما ألونا عن أعلاها ذا فوق، فإنه يعني بقوله: ما ألونا، ما قصرنا ، وما تركنا الجهد، وفيه لغتان: ما ألونا بالتخفيف، ما ألونا، بالتشديد ويقال منه: ألا فلان في هذا الأمر، وألا، إذا قصر وترك جهده، ومن التشديد في ذلك قول العجاج:


              وعظة إن نفس حر بلت     أو أدركت بالجهد ما قد ألت

              يعني بقوله: ما قد ألت، ما قد تركت الجهد ، وأما هذيل، فإن في لغتها إذا قالت: ما آلوه ما أستطيعه، ومن ذلك قول شاعرهم: [ ص: 936 ]

              جهراء لا تألو إذا هي أظهرت     بصرا ولا من عيلة تغنيني

              يعني بقوله: لا تألوا بصرا، لا تستطيع.

              وقد تستعمل العرب ذلك إذا شددوا اللام منه في غير هذا المعنى، فتقول: قد أل فلان فهو يئل ألا، بتشديد اللام، وذلك إذا مر مرا سريعا فويق العنق.

              وأما قولهم: آل، بمد الألف وتخفيف اللام، فإنه من غير هذا كله، وله معنيان: أحدهما: الرجوع، يقال في ذلك: آل فلان يئول أولا، وذلك إذا رجع، وآل القطران إذا خثر.

              والثاني قولهم: آل فلان ماله، فهو يؤوله، وذلك إذا أصلحه وأحسن سياسته، ومنه قول لبيد بن ربيعة العامري:


              بصبوح غانية وجذب كرينة     بموتر تأتاله إبهامها

              يعني بقوله: تأتاله تصلحه، وهو يفتعله من آل كما يقال: هو يقتاله من قلت، ويكتاله، من كلت.

              وأما قولهم: قد وأل فلان فهو من غير ذلك كله، وإنما يقال ذلك للرجل إذا نجا بنفسه من مخافة، فصار في حرز، والحرز هو الموئل، يقال منه: وأل فلان فهو يئل وألا ووءولا، ومنه قول أعشى بنى ثعلبة:

              وقد أخالس رب البيت غفلته     وقد يحاذر مني ثم ما يئل

              [ ص: 937 ] يعني بقوله: ثم ما يئل ثم ما ينجو ولا يتحرز، وأما قوله: عن أعلاها ذا فوق، فإنه يعني بقوله: "عن أعلاها" عن أعلى الأمة، والهاء في أعلاها كناية عن الأمة، ويريد بقوله: عن أعلاها، عن أرفعها وأفضلها.

              وأما قوله: "ذا فوق" فإنه يعني سهما قد أصلح فوقه، وفوق السهم مجرى الوتر فيه، والفوق جمع واحده فوقة، يدل على ذلك قول الفرزدق:


              ولكن وجدت السهم أهون فوقة     عليك، وقد أودى دم أنت طالبه

              وقد يجمع الفوقة فوق وأفواق، ومن الفوق قول رؤبة بن العجاج:


              كسر من عينيه تقويم الفوق     وما بعينيه عواوير البخق

              وفي الفوق لغة أخرى، وهو الفقا مقلوب، يقال: هذه فوقها وفقاها، ومن الفقا قول الشاعر:


              ونبلي وفقاها كعرا     قيب قطا طحل

              [ ص: 938 ] وهذا الجمع على أن واحده فقوة.

              وقد ذكر بعضهم عن المفضل الضبي أنه كان ينشد بيت الفرزدق الذي ذكرناه قبل: "أهون فقوة عليك" ، وكأن من قال: "فقوة" قلب الحرف، فنقل اللام إلى موضع العين من الاسم، كما يقال: جذبه فلان وجبذه.

              وإنما أراد عبد الله فيما نرى بقوله هذا، والله أعلم: ما قصرنا ولا تركنا الجهد عن الاختيار للأمة أفضلها وأرفعها سهما ونصيبا وحظا في الإسلام والخير والسابقة والفضل.

              التالي السابق


              الخدمات العلمية