الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
فلنذكر الآن طرفا من اختياراته التي خالف فيها اختيارات شيخه أبي بكر الخلال .

اختار عبد العزيز : أنه يجب غسل جميع الذكر والأنثيين في خروج المذي  وهو الذي نصره الوالد السعيد . [ ص: 121 ]

واختار الخلال : أنه يغسل منه ما يغسل من البول .

واختار عبد العزيز : أن الصلاة في الثوب المغصوب  باطلة وهي الرواية الصحيحة .

واختار الخلال : أنها صحيحة .

واختار عبد العزيز : أن المرأة إذا وقفت إلى جانب الرجل بطلت صلاة من يليها من الرجال .

واختار الخلال وابن حامد والوالد : أنها لا تبطل .

واختار عبد العزيز : أنه إذا شرب الماء في صلاة التطوع بطلت صلاته وهو الذي نصره الوالد .

واختار الخلال : أنه لا تبطل صلاته .

واختار عبد العزيز : أنه إذا أحرم مع الإمام بالجمعة ثم زحم عن الركعتين : أنه يستقبل الصلاة واختاره الوالد السعيد .

واختار الخلال : أنه يصلي الركعتين .

واختار عبد العزيز : أنه لا يضم الذهب إلى الورق في إكمال النصاب .

واختار الخلال : الضم وهو الذي نصره الوالد والخرقي .

واختار عبد العزيز : إذا وجد أحد المتصارفين عيبا بعد التفرق  وكان العيب من جنسه ليس له البدل .

واختار الخلال ، والخرقي والوالد : له البدل .

واختار عبد العزيز : أن الكفر ملل وهو الذي اختاره الوالد .

واختار الخلال : أن الكفر ملة واحدة .

واختار عبد العزيز : أن كل جناية لها أرش مقدر في الحر من الدية يقتدر من العبد في القيمة وهو اختيار الخرقي والوالد .

والرواية الثانية : يضمن العبد بما نقص اختارها الخلال وغير ذلك . [ ص: 122 ]

وذكر الوالد السعيد في الانتصار لعبد العزيز فقال : كان ذا دين وأخا ورع علامة بارعا في علم مذهب أحمد بن حنبل .

وذكر تصانيفه وذكر تعظيمه في النفوس وتقدمه عند السلطان .

ولقد حكى لي بعض الشيوخ عن والده وكان له صحبة بأبي بكر فذكر أن أبا بكر ذكر عند أخت معز الدولة بسوء وأنه يغض من علي بن أبي طالب فاستدعته وجمعت من المتكلمين لمناظرته فكان صوته عليهم وحجته ظاهرة لديهم والأخت بحيث تسمع كلامه حتى شهدت له بالفضل وكان منها الإنكار عليهم فيما كذبوه عليه وأضافوه إليه وبذلت له شيئا من المال فامتنع من قبوله مع خفة حاله وقلة ماله زهدا وورعا .

قال : وحكى لنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الحجري المعروف بابن سكينة الأزجي قال : حكى لنا الشيخ أبو الفضل بن التميمي قال : حكى لي شيخ كان يسافر في طلب الحديث أنه وقع لي في خبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا كان يوم القيامة يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب " . وقال فسافرت كذا وكذا بلدا أسأل هل هناك زيادة على هذا العدد فما زادني أحد وكل يقول هكذا سمعنا فدخلت مدينة البصرة وسألت عن ذلك فما زادني أحد فلما كان ذات يوم نمت وأنا تعب فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقبلت قدمه فقال لي يا فلان قد تعبت في هذا الخبر الذي سمعته عني فقلت له : إي والله يا رسول الله ، فقال لي : امض إلى بغداد إلى جامع الخليفة سترى رجلا واسع الجبين جهوري الصوت فسله عن هذه المسألة يعني أبا بكر عبد العزيز فإنه يجيبك قال : فلم يحملني القعود حتى جئت إلى بغداد قال : فقلت في نفسي : لا سألت أحدا عن هذا الرجل حتى أدخل الجامع وأنظر إلى الصفة التي وصفها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدخلت يوم الجمعة الجامع فسمعت صوته فإذا هو بالصفة التي وصفها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوقفت حذاءه فقلت : أيها [ ص: 123 ] الشيخ مسألة . قال : أوسعوا للشيخ موضعا إلى أن وصلت بين يديه فقال لي : اجلس فجلست فقال لي سرا : ألست الرجل الذي بعث بك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوقعت علي الرعدة فقلت : بلى ، وأمسكت ثم قال لي : أيها الشيخ هات مسألتك فسألته عن الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب " فقال لي : يا أبله أنت والذين سألتهم حدثنا فلان عن فلان وذكر الإسناد أنه إذا كان يوم القيامة وحصل أهل الموقف يقول الله سبحانه هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي ثلاث مرات ويحثوني ثلاث حثيات فمن قبضته أربع عشرة سماء والأرض في يده كحبة خردل في أرض فلاة : كم مرة سبعون ألفا ؟

قال : وحكى لنا أيضا هذا الشيخ عن الحسن بن خيرون صاحب أبي بكر عبد العزيز أنه قال : قال لي أبو بكر عبد العزيز : كنت مع أستاذي يعني أبا بكر الخلال وأنا غلام مشتد فاجتمع معه جماعة يتذاكرون بعد عشاء الآخرة فقال بعضهم لبعض : أليس مقبل يعني رجلا أسود كان ناطورا بباب حرب لنا مدة ما رأيناه فقاموا يقصدونه وقال لي أستاذي يعني أبا بكر الخلال لا تبرح احفظ الباب فتركتهم حتى مضوا وأغلقت الباب وتبعتهم فلما بلغنا بعض الطريق قال لي أستاذي يعني الخلال هو ذا أرى وراءنا شخصا فوقفوا فقال لي : أنت من ؟ فأمسكت فزعا من أستاذي فجاءني واحد منهم وأخذ بيدي وقال بالله عليك إلا تركته فإن النجابة بين عينيه فتركني ومضيت معه فدخلنا إلى قراح فيه باذنجان مملوءا والأسود قائم يصلي فسلموا وجلسوا إلى أن سلم وسلم بعضهم على بعض فأخرج كساء فيه كسر يابسة وملح جريش وقال : كلوا فتحدثوا فأخذوا يذكرون كرامات الصالحين وهو ساكت يعني الأسود فقال واحد من الجماعة : يا مقبل قد زرناك فما تحدثنا بشيء ؟ فقال : إيش أنا ؟ وأي شيء عندي أحدثكم ؟ أنا أعرف رجلا لو سأل الله أن يجعل [ ص: 124 ] هذا القراح الباذنجان ذهبا لفعل فوالله ما استتم الكلام حتى رأينا القراح يتقد ذهبا .

فقال له أستاذي يعني أبا بكر الخلال : يا مقبل لأحد سبيل أن يأخذ من هذا القراح أصلا واحدا ؟ فقال له : خذ وكان القراح مسقيا فأخذ الأصل فقلعه بعروقه والأصل والورق والباذنجان الذي فيه ذهب فوقعت من ذلك باذنجانة صغيرة وشيء من الورق فأخذته وبقاياه معي إلى يوم حدثه . قال : ثم صلى ركعتين وسأل الله فأعاد القراح كما كان وعاد موضع ذلك الأصل أصل باذنجانة .

قال : وحكى لنا هذا الشيخ قال : لما مات أبو بكر عبد العزيز اختلف أهل باب الأزج في دفنه فقال بعضهم : يدفن في قبر أحمد وقال بعضهم : يدفن عندنا وجردوا السيوف والسكاكين فقال المشايخ : لا تقتتلوا نحن في حريم السلطان يعنون المطيع لله فما يأمر نفعل قال فلفوه في النطع مشدودا بالشوارف خوفا أن يمزق الناس أكفانه وكتبوا رقعة إلى الخليفة فخرج مثل هذا الرجل لا نعدم بركاته أن يكون في جوارنا وهناك موضع يعرف بدار الفيلة وهو ملك لنا ولم يكن فيه دفن فدفن فيه رحمه الله .

قال : وحكى لنا أيضا قال : حكى لي أبو العباس بن أبي عمر ، والشرابي وكان على باب يعرف بباب الخاصة مما يلي باب الأزج يقارب قبر أبي بكر عبد العزيز قال : كان لنا ذات ليلة خدمة أمسيت لأجلها ثم إني خرجت منها نومة الناس وغلق البوابون خلفي الباب وتوجهت إلى داري بباب الأزج فرأيت عمود نور من جو السماء إلى جوف المقبرة فجعلت أنظر إليه ولا ألتفت خوفا أن يغيب عني إلى أن وصلت حذاء قبر أبي بكر عبد العزيز فإذ أنا بالعمود من [ ص: 125 ] جوف السماء إلى القبر فبقيت متحيرا ومضيت وهو على حاله .

وحكى لنا هذا الشيخ عن أبي سعد السقاء وهو من باب الأزج قال : جئت يوما أصب راوية ماء في حب مقبرة فرأيت رجلا خراسانيا على قبر أبي بكر عبد العزيز يترحم عليه ويتضرع فصاح بي وقال لي : تعال يا سقاء هذا الرجل في هذا الموضع لا يبنى عليه مشهد ؟ هذا رجل حديثه عندنا ورأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في نومي وهو يقول : من زار قبر عبد العزيز غلام الخلال يعني غفر له .

قال : وكان مع ما ذكرنا من التصانيف في الفروع والأصول له قدم في تفسير القرآن ومعرفة معانيه .

ولقد وجدت عنه : أن رافضيا سأله عن قوله تعالى والذي جاء بالصدق وصدق به من هو ؟ فقال له : أبو بكر الصديق فرد عليه وقال : بل هو علي بن أبي طالب فهم به الأصحاب فقال : دعوه ثم قال اقرأ ما بعدها لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله أسوأ الذي عملوا وهذا يقتضي أن يكون هذا المصدق ممن له إساءة سبقت وعلى قولك أيها السائل لم يكن لعلي إساءة فقطعه .

وهذا استنباط حسن لا يعقله إلا العلماء فدل على علمه وحلمه وحسن خلقه فإنه لم يقابله على جفائه بجفاء وعدل إلى العلم . [ ص: 126 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية