الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
وقال أبو سليمان في حديث الحجاج: "أنه باع معتقا في حراره".  

ذكره عمر بن شبة، عن الأصمعي، قال: وإنما استحلت القراء قتاله لذلك فقالوا: غير وبدل [ ص: 181 ] .

قوله: في حراره، هو مصدر حر المملوك يحر حرارا إذا صار حرا.

ويقال: حر يومنا يحر حرا وحرارة، وحرت الريح حرورا مضمومة الحاء، وحرت كبده تحر حرة وحررا، ومن دعائهم: رماه الله بالحرة تحت القرة: أي بالعطش والبرد، ومنه قوله صلى الله عليه: "في كل كبد حرى أجر"، أي: عطشى.

يقال: حران وحرى مثل: عطشان وعطشى، والحرر: يبس الكبد عند العطش وشدة الحزن، وزعم بعض الناس أن الحجاج لم يبع رقبة حر قط، وإنما باع ولاءه، فقيل على هذا: قد باعه، وكانت العرب تفعل ذلك، ومن أجله نهى رسول الله صلى الله عليه عن بيع الولاء وعن هبته.

قال أبو سليمان: وقد اختلفوا في السبب الذي من أجله استجاز القراء الخروج عليه،  فقال ابن المبارك: إنما استحلوا الخروج عليه; لكفره بقراءة عبد الله بن مسعود، ولقوله: "إنها رجز من أراجيز العرب".

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: كان من سيرة بني أمية في الذمي يسلم أن يطالب بالجزية عن رأسه، ويؤخذ الخراج من أرضه،  وكان الحجاج [ ص: 182 ] يحتج لذلك، ويقول: إنما هم فيئنا وعبيدنا، فإذا أسلم عبد الرجل، فهل يسقط عنه الإسلام الضريبة.

قال: وكان خالد بن عبد الله يخطب به فيما يحكى عنه على المنبر، قال: ولهذا استجاز من استجاز من القراء الخروج عليه مع ابن الأشعث.

وقال بعضهم: إنما فعلوا ذلك ; لإعظامه القول عند ذكر قوله تعالى: فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا ، وتقديمه طاعة ظلمة بني أمية على طاعة الله عز وجل.

حدثني إبراهيم بن عبد الرحيم العنبري، نا إسحاق بن إبراهيم بن سهم، نا ابن أبي سمينة، نا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، سمعت الحجاج يخطب، وهو يقول: "إذا قلت لكم اسمعوا الله وأطيعوا ففيها مثنوية، وإذا قلت لكم: اسمعوا وأطيعوا لعبد الملك بن مروان، فليس فيها مثنوية، والله لو قلت لكم: إن تخرجوا من هذا الباب فخرجتم من غيره كفرتم، هؤلاء الحمران يقولون: لا يسقط حجر من السماء حتى يحدث الله أمرا، أيم الله لئن بقيت لهم لأبيدن خضراءهم".

قال أبو بكر بن عياش: فعظم ذلك عندي، فحدثت به عاصم بن بهدلة، قال: وأنا سمعته يخطب بهذا.

التالي السابق


الخدمات العلمية