الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
وقال أبو سليمان في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أن رقيقة بنت أبي صيفي، وكانت لدة عبد المطلب بن هاشم، قالت: تتابعت على قريش سنو جدب، قد أقحلت الظلف، وأرقت العظم، فبينا أنا راقدة اللهم أو مهومة ومعي صنوي إذا أنا بهاتف صيت يصرخ بصوت صحل يقول: يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث منكم هذا إبان نجومه، فحي هلا بالحيا والخصب، ألا فانظروا منكم رجلا طوالا عظاما، أبيض بضا، أشم العرنين، له فخر يكظم عليه، ألا فليخلص هو وولده، وليدلف إليه من كل بطن [ ص: 436 ] رجل ألا فليشنوا من الماء، وليمسوا من الطيب، وليطوفوا بالبيت سبعا، ألا وفيهم الطيب الطاهر لداته، ألا فليستسق الرجل، وليؤمن القوم، ألا فغثتم إذا أبدا ما شئتم وعشتم، قالت: فأصبحت مذعورة، قد قف جلدي، ووله عقلي، فاقتصصت رؤياي فو الحرمة والحرم إن بقي أبطحي إلا قال: هذا شيبة الحمد، وتتامت عنده قريش، وانقض إليه من كل بطن رجل فشنوا ومسوا واستلموا واطوفوا، ثم ارتقوا أبا قبيس، وطفق القوم يدفون حوله ما إن يدرك سعيهم مهلة حتى قروا بذروة الجبل، واستكفوا جنابيه، فقام عبد المطلب خطيبا فاعتضد ابن ابنه محمدا، فرفعه على عاتقه، وهو يومئذ غلام قد كرب، ثم قال: اللهم ساد الخلة، وكاشف الكربة، أنت عالم غير معلم، ومسؤول غير مبخل، وهذه عبداك وإماؤك بعذرات حرمك يشكون إليك سنتهم فاسمعن اللهم، وأمطرن علينا غيثا مربعا مغدقا، فما راموا، والبيت حتى انفجرت السماء بمائها، وكظ الوادي بثجيجه" .

أخبرناه ابن الأعرابي، نا حميد بن علي بن البختري، نا يعقوب بن محمد بن عيسى بن عبد الملك بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، نا عبد العزيز بن عمران، عن ابن حويصة قال: تحدث مخرمة بن نوفل، عن أمه رقيقة بنت أبي صيفي وذكر الحديث بطوله.

وحدثناه أحمد بن إبراهيم بن مالك، ثنا عمر بن أحمد الجوهري، [ ص: 437 ] ، نا محمد بن جابر بن العلاء الأودي النحوي، نا أبو السكين: زكريا بن يحيى بن عمر بن حصن بن حارثة بن خريم بن أوس بن حارثة بن لأم الطائي، نا عم أبي زحر بن حصن، عن جده حميد بن منهب، قال: قال عمي عروة بن مضرس يحدث مخرمة، وربما قال: حدثني مخرمة بن نوفل، عن أمه رقيقة إلا أنه قال: فانظروا منكم رجلا وسيطا عظاما جساما أوطف الأهداب، وإن عبد المطلب قام ومعه رسول الله غلام قد أيفع أو كرب، وذكر القصة.

قولها : "أقحلت الظلف" من القحولة، وهي اليبوسة.  يقال: قحل الشيء قحولا أي: يبس، وخبر قاحل.

والتهويم فوق السنة ودون النعاس، قال الشاعر:


ما تطعم العين نوما غير تهويم



وقال المفضل: السنة في الرأس، والنوم في القلب. والصحل: بحة في الصوت، وصوت صحل، ومثله الجشة وهي شدة الصوت مع بحة. يقال: رجل أجش وامرأة جشاء. قال متمم بن نويرة:

[ ص: 438 ]


ولا شارف جشاء هاجت فرجعت     حنينا فأبكى شجوها البرك أجمعا



وقوله: هذا إبان نجومه أي: وقت ظهوره.  يقال: نجم النبت إذا طلع. وقوله: "فحي هلا" كلمة حث واستعجال. قال لبيد:


يتمارى في الذي قلت له     ولقد يسمع صوتي حي هل



والحيا مقصور: المطر الذي يحيي الأرض. والحياء ممدود من الاستحياء. وحياء الناقة يمد ويقصر. ويقال: رجل عظام بمعنى عظيم، وجسام بمعنى جسيم ومثله كرام وكبار. قال الشاعر:


كحلفة من أبي رغال     يسمعها لاهه الكبار



فإذا أرادوا المبالغة في الوصف شددوا كقوله: ومكروا مكرا كبارا . ويقال: رجل وسيط إذا كان حسيبا في قومه، والفعل وسط وساطة وسطة. قال العرجي:


كأني لم أكن فيهم وسيطا     ولم تك نسبتي في آل عمرو



وقوله: "فليدلف إليه"  أي: ليقبل إليه. يقال: دلف يدلف دليفا، وهو أن يمشي مشيا يقارب بين الخطا.

وقوله: "فليشنوا من الماء"  يريد التطهر بالماء والاغتسال به، وأصل الشن التفريق. يقال: شن الماء على الشراب إذا مزجه به ففرقه عليه. والماء الشنان المتفرق. فأما السن فهو الصب. يقال: [ ص: 439 ]

سن الماء على وجهه سنا إذا صبه عليه صبا سهلا، ويروى عن ابن عمر أنه كان يسن الماء على وجهه، ولا يشنه.

وقوله: "الطاهر لداته"  يريد موالده جعل المصدر اسما، ثم جمعه. يقال: ولد ولادة ولدة، كما قيل: وعد عدة، ووجد جدة.

وقوله: ألا فغثتم  يقول: سقيتم الغيث. قال أبو عبيدة: العرب تقول: غيثت الأرض فهي مغيثة أي: أصابها الغيث. قال ذو الرمة: ما رأيت أفصح من جارية بني فلان قيل لها: كيف كان المطر عندكم؟ قالت: غثنا ما شئنا.

وقولها : قف جلدي أي: قف شعر جلدي فقام من الفزع. ويقال: قف النبت إذا يبس. وقالت امرأة من كلب لمعاوية ونزل بها: أعيذك بالله أن تنزل واديا فتدع أوله يرف وآخره يقف. والوله: ذهاب العقل.

والدفيف: المر السريع: يقال: دف يدف دفيفا. ومنه دفيف الطائر إذا أراد النهوض قبل أن يستقل. والعرب تقول: يحب كل شيء ولده حتى الحبارى، وتدف عنده .

وقولها "استكفوا جنابيه"  أي: أحدقوا به، واستداروا حوله، ويقال: استكفت الحية إذا ترحت أي: استدارت كالرحى ومنه كفة الميزان.

أخبرني أبو عمر، عن أبي العباس ثعلب، عن ابن الأعرابي، قال: ما استدار فهو كفة، وما استطال فهو كفة.

[ ص: 440 ]

وقولها: "جنابيه" تريد حواليه. قال كعب بن زهير:


يسعى الرجال جنابيها وقيلهم     إنك يابن أبي سلمى لمقتول



أي: يقولون قيلهم.

وقولها: "قد أيفع" يريد أنه صار يافعا.  قال الأصمعي: يقال: أيفع الغلام إيفاعا إذا ارتفع ولم يبلغ. وغلام يافع ويفعة، وغلمان يفعة الواحد والجميع سواء. ويقال: أيضا: غلمان أيفاع، وقد يخرج الاسم من بناء الرباعي إلى الثلاثي كقولهم: أيفع الغلام فهو يافع، وكان القياس موفع، وأبقل المكان فهو باقل، وأورس الشجر فهو وارس.

قال بعض أهل اللغة: اليفعة: مشتق من اليفاع، وهو المكان المرتفع العالي.

وقوله: كرب أي: قارب الإدراك، ومنه الملائكة الكروبيون وهم المقربون. وقال بعضهم: إنما سموا كروبيين؛ لأنهم يدخلون الكرب على الكفار وليس هذا بشيء. وقوله: عبداك يريد عبادك يقال: عبد وأعبد وعبيد وعبداء ومعبوداء، وأنشد يعقوب، عن الفراء:


تركت العبدا ينقرون عجانه     كأن غرابا فوق أنفك واقع



وقد يجمع العبد أيضا على العبدان، قال الشاعر:


علام يعبدني قومي وقد كثرت     فيهم أباعر ما شاؤوا وعبدان



[ ص: 441 ] والعذرات: الأفنية. والعذرة: الفناء. وكانوا يقضون حوائجهم في أفنية الدور، فصارت العذرة اسما للرجيع بسبب المجاورة.

وقوله: غيثا مربعا  أي: منبتا للربيع. والمغدق: المروي، وماء غدق أي: كثير عذب. وكظ الوادي أي: امتلأ. والثجيج: الماء السائل. قال أبو ذؤيب:


سقى أم عمرو كل آخر ليلة     حناتم سود ماؤهن ثجيج



وأصل الثج: الصب. ومن هذا قوله تعالى: ماء ثجاجا . قالوا: مثجوجا. فاعل بمعنى مفعول.

التالي السابق


الخدمات العلمية