الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
553 - وقال أبو عبيد في حديث أبي بكر - رضي الله عنه - أنه أوصى في مرضه ، فقال : "ادفنوني في ثوبي هذين ، فإنما هما للمهل والتراب " .

قال أبو عبيدة : المهل في هذا الحديث : الصديد والقيح . والمهل في غير هذا : كل فلز أذيب .

والفلز : جواهر الأرض من : الذهب ، والفضة ، والنحاس ، وأشباه ذلك : ومنه حديث ابن مسعود .

قال : حدثناه هشيم ، عن عوف ، عن الحسن ، قال : سئل ابن مسعود عن المهل ، فدعا بفضة ، فأذابها ، فجعلت تميع وتلون ، فقال : "هذا من أشبه ما أنتم راءون بالمهل " [ ص: 114 ] .

[قال أبو عبيد ] : أراد تأويل هذه الآية : وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه

قال أبو عبيد : وقوله : تميع : تذوب ، وكل ذائب فهو مائع .

قال أبو عبيدة : والمهل أيضا - في غير هذا - : كل شيء يتحات عن الخبزة من الرماد وغيره إذا أخرجت من الملة .

قال : والملة : الحفرة التي تمل فيها الخبزة .

وقال أبو عمرو : المهل في شيئين :

هو في حديث أبي بكر الصديق الصديد والقيح .

وفي غيره : دردي الزيت ، لم يعرف منه إلا هذا .

قال الأصمعي : حدثني رجل - وكان فصيحا - أن أبا بكر قال : فإنما هما للمهلة والتراب [بالفتح ] .

قال : وبعضهم يكسر الميم : "للمهلة " [ ص: 115 ] .

قال أبو عبيد : والذي أراد الناس في هذا الحديث من الفقه : أنه لا بأس أن يكفن الميت في الشفع من الثياب ،  ألا تراه يقول : "في ثوبي هذين" ؟

قال أبو عبيد : والغالب على أمر الناس فيه الوتر .

وفيه أيضا : أنه خلاف قول من يقول : إنهم يتزاورون في أكفانهم ؛ ألا تراه يقول : فإنما هما للمهل والتراب ؟

ومما يشهد على ذلك قول حذيفة حين أتي بكفنه ربطتين ، فقال : "الحي أحوج إلى الجديد من الميت ، إني لا ألبس إلا يسيرا حتى أبدل بهما خيرا منهما أو شرا منهما " .

منه قول محمد بن الحنفية : "ليس للميت من الكفن شيء إنما هو تكرمة للحي " .

قال أبو عبيد : ويروى في بعض الحديث أن أبا بكر قال لعائشة : "في كم ثوبا كفن النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ " .

قالت : في ثلاثة أثواب .

قال : فادفنوني في ثوبي هذين مع ثوب كذا وكذا ، فعلى هذه الرواية يذهب معنى الشفع من الثياب [ ص: 116 ] .

التالي السابق


الخدمات العلمية