(
nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=10إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=11قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=12ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير )
قوله تعالى : (
nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=10إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=11قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=12ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير ) .
اعلم أنه تعالى لما عاد إلى شرح
nindex.php?page=treesubj&link=28766_29468أحوال الكافرين المجادلين في آيات الله وهم الذين ذكرهم الله في قوله : (
nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=4ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ) [غافر : 4] بين أنهم في القيامة يعترفون بذنوبهم واستحقاقهم العذاب الذي ينزل بهم ويسألون الرجوع إلى الدنيا ليتلافوا ما فرط منهم فقال : (
nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=10إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم ) وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : في الآية حذف وفيها أيضا تقديم وتأخير ، أما الحذف فتقديره لمقت الله إياكم ، وأما التقديم والتأخير فهو أن التقدير أن يقال : لمقت الله لكم حال ما تدعون إلى الإيمان فتكفرون ، أكبر من مقتكم أنفسكم ، وفي تفسير مقتهم أنفسهم وجوه :
الأول : أنهم إذا شاهدوا القيامة والجنة والنار مقتوا أنفسهم على إصرارهم على التكذيب بهذه الأشياء في الدنيا .
الثاني : أن
nindex.php?page=treesubj&link=30440_30351الأتباع يشتد مقتهم للرؤساء الذين دعوهم إلى [ ص: 35 ] الكفر في الدنيا ، والرؤساء أيضا يشتد مقتهم للأتباع فعبر عن مقت بعضهم بعضا بأنهم مقتوا أنفسهم ، كما أنه تعالى قال : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=54فاقتلوا أنفسكم ) [البقرة : 54] والمراد قتل بعضهم بعضا .
الثالث : قال
nindex.php?page=showalam&ids=14980محمد بن كعب : إذا خطبهم إبليس وهم في النار بقوله : (
nindex.php?page=tafseer&surano=14&ayano=22وما كان لي عليكم من سلطان ) إلى قوله : (
nindex.php?page=tafseer&surano=14&ayano=22ولوموا أنفسكم ) [إبراهيم : 22] ففي هذه الحالة مقتوا أنفسهم .
واعلم أنه لا نزاع أن مقتهم أنفسهم إنما يحصل في يوم القيامة ، أما مقت الله لهم ففيه وجهان :
الأول : أنه حاصل في الآخرة ، والمعنى لمقت الله لكم في هذا الوقت أشد من مقتكم أنفسكم في هذا الوقت .
والثاني وعليه الأكثرون ، أن التقدير : لمقت الله لكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم الآن .
ففي تفسير الألفاظ المذكورة في الآية أوجه ; الأول : أن الذين ينادونهم ويذكرون لهم هذا الكلام هم خزنة جهنم . الثاني : المقت أشد البغض وذلك في حق الله تعالى محال ، فالمراد منه أبلغ الإنكار والزجر . الثالث : قال الفراء : (
nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=10ينادون لمقت الله ) معناه أنهم ينادون إن مقت الله لكم إذ تدعون إلى الإيمان فتأتون بالكفر أكبر من مقتكم الآن أنفسكم .
ثم إنه تعالى بين أن الكفار إذا خوطبوا بهذا الخطاب (
nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=11قالوا ربنا أمتنا اثنتين ) إلى آخر الآية ، والمعنى أنهم لما عرفوا أن الذي كانوا عليه في الدنيا كان فاسدا باطلا ، تمنوا الرجوع إلى الدنيا لكي يشتغلوا عند الرجوع إليها بالأعمال الصالحة ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : احتج أكثر العلماء بهذه الآية في
nindex.php?page=treesubj&link=32925إثبات عذاب القبر ، وتقرير الدليل أنهم أثبتوا لأنفسهم موتتين حيث قالوا : (
nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=11ربنا أمتنا اثنتين ) فأحد الموتتين مشاهد في الدنيا فلا بد من إثبات حياة أخرى في القبر حتى يصير الموت الذي يحصل عقيبها موتا ثانيا ، وذلك يدل على حصول حياة في القبر ، فإن قيل : قال كثير من المفسرين : الموتة الأولى إشارة إلى الحالة الحاصلة عند كون الإنسان نطفة وعلقة ، والموتة الثانية إشارة إلى ما حصل في الدنيا ، فلم لا يجوز أن يكون الأمر كذلك ؟ والذي يدل على أن الأمر ما ذكرناه قوله تعالى : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=28كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ) [البقرة : 28] والمراد من قوله : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=28وكنتم أمواتا ) الحالة الحاصلة عند كونه نطفة وعلقة ، وتحقيق الكلام أن الإماتة تستعمل بمعنيين ; أحدهما : إيجاد الشيء ميتا . والثاني : تصيير الشيء ميتا بعد أن كان حيا ، كقولك : وسع الخياط ثوبي ، يحتمل أنه خاطه واسعا ، ويحتمل أنه صيره واسعا بعد أن كان ضيقا ، فلم لا يجوز في هذه الآية أن يكون المراد بالإماتة خلقها ميتة ، ولا يكون المراد تصييرها ميتة بعد أن كانت حية .
السؤال الثاني : أن هذا كلام الكفار فلا يكون حجة .
السؤال الثالث : أن هذه الآية تدل على المنع من حصول الحياة في القبر ، وبيانه أنه لو كان الأمر كذلك لكان قد حصلت الحياة ثلاث مرات ، أولها في الدنيا . وثانيها في القبر . وثالثها في القيامة . والمذكور في الآية ليس إلا حياتين فقط ، فتكون إحداهما الحياة في الدنيا والحياة الثانية في القيامة ، والموت الحاصل بينهما هو الموت المشاهد في الدنيا .
[ ص: 36 ] السؤال الرابع : أنه إن دلت هذه الآية على حصول الحياة في القبر فهاهنا ما يدل على عدمه وذلك بالمنقول والمعقول ، أما المنقول فمن وجوه :
الأول : قوله تعالى : (
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=9أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ) [الزمر : 9] فلم يذكر في هذه الآية إلا الحذر عن الآخرة ، ولو حصلت الحياة في القبر لكان الحذر عنها حاصلا ، ولو كان الأمر كذلك لذكره ، ولما لم يذكره علمنا أنه غير حاصل .
الثاني : أنه تعالى حكى في سورة الصافات عن المؤمنين المحقين أنهم يقولون بعد دخولهم في الجنة : (
nindex.php?page=tafseer&surano=37&ayano=58أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى ) [الصافات : 58] ولا شك أن
nindex.php?page=treesubj&link=30412كلام أهل الجنة حق وصدق ، ولو حصلت لهم حياة في القبر لكانوا قد ماتوا موتتين ، وذلك على خلاف قوله : (
nindex.php?page=tafseer&surano=37&ayano=58أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى ) قالوا : والاستدلال بهذه الآية أقوى من الاستدلال بالآية التي ذكرتموها ; لأن الآية التي تمسكنا بها حكاية قول المؤمنين الذين دخلوا الجنة ، والآية التي تمسكتم بها حكاية قول الكافرين الذين دخلوا النار .
وأما المعقول فمن وجوه :
الأول : وهو أن الذي افترسه السباع وأكلته لو أعيد حيا لكان إما أن يعاد حيا بمجموعه أو بآحاد أجزائه ، والأول باطل ; لأن الحس يدل على أنه لم يحصل له مجموع . والثاني باطل لأنه لما أكلته السباع ، فلو جعلت تلك الأجزاء أحياء لحصلت أحياء في معدة السباع وفي أمعائها ، وذلك في غاية الاستبعاد .
الثاني : أن الذي مات لو تركناه ظاهرا بحيث يراه كل واحد فإنهم يرونه باقيا على موته ، فلو جوزنا مع هذه الحالة أنه يقال : إنه صار حيا لكان هذا تشكيكا في المحسوسات ، وإنه دخول في السفسطة . والجواب : قوله : لم لا يجوز أن تكون الموتة الأولى هي الموتة التي كانت حاصلة حال ما كان نطفة وعلقة؟ فنقول : هذا لا يجوز ، وبيانه أن المذكور في الآية أن الله أماتهم ، ولفظ الإماتة مشروط بسبق حصول الحياة ; إذ لو كان الموت حاصلا قبل هذه الحالة امتنع كون هذا إماتة ، وإلا لزم تحصيل الحاصل وهو محال ، وهذا بخلاف قوله : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=28كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا ) [البقرة : 28] لأن المذكور في هذه الآية أنهم كانوا أمواتا وليس فيها أن الله أماتهم بخلاف الآية التي نحن في تفسيرها ; لأنها تدل على أن الله تعالى أماتهم مرتين ، وقد بينا أن لفظ الإماتة لا يصدق إلا عند سبق الحياة ، فظهر الفرق .
(
nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=10إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=11قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=12ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ )
قَوْلُهُ تَعَالَى : (
nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=10إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=11قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=12ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ) .
اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا عَادَ إِلَى شَرْحِ
nindex.php?page=treesubj&link=28766_29468أَحْوَالِ الْكَافِرِينَ الْمُجَادِلِينَ فِي آيَاتِ اللَّهِ وَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=4مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا ) [غَافِرٍ : 4] بَيَّنَ أَنَّهُمْ فِي الْقِيَامَةِ يَعْتَرِفُونَ بِذُنُوبِهِمْ وَاسْتِحْقَاقِهِمُ الْعَذَابَ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِمْ وَيَسْأَلُونَ الرُّجُوعَ إِلَى الدُّنْيَا لِيَتَلَافَوْا مَا فَرَطَ مِنْهُمْ فَقَالَ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=10إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ ) وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ :
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي الْآيَةِ حَذْفٌ وَفِيهَا أَيْضًا تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ ، أَمَّا الْحَذْفُ فَتَقْدِيرُهُ لَمَقْتُ اللَّهِ إِيَّاكُمْ ، وَأَمَّا التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فَهُوَ أَنَّ التَّقْدِيرَ أَنْ يُقَالَ : لَمَقْتُ اللَّهِ لَكُمْ حَالَ مَا تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ ، أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ، وَفِي تَفْسِيرِ مَقْتِهِمْ أَنْفُسَهُمْ وُجُوهٌ :
الْأَوَّلُ : أَنَّهُمْ إِذَا شَاهَدُوا الْقِيَامَةَ وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ مَقَتُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى إِصْرَارِهِمْ عَلَى التَّكْذِيبِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي الدُّنْيَا .
الثَّانِي : أَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=30440_30351الْأَتْبَاعَ يَشْتَدُّ مَقْتُهُمْ لِلرُّؤَسَاءِ الَّذِينَ دَعَوْهُمْ إِلَى [ ص: 35 ] الْكُفْرِ فِي الدُّنْيَا ، وَالرُّؤَسَاءَ أَيْضًا يَشْتَدُّ مَقْتُهُمْ لِلْأَتْبَاعِ فَعَبَّرَ عَنْ مَقْتِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِأَنَّهُمْ مَقَتُوا أَنْفُسَهُمْ ، كَمَا أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=54فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) [الْبَقَرَةِ : 54] وَالْمُرَادُ قَتْلُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا .
الثَّالِثُ : قَالَ
nindex.php?page=showalam&ids=14980مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ : إِذَا خَطَبَهُمْ إِبْلِيسُ وَهُمْ فِي النَّارِ بِقَوْلِهِ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=14&ayano=22وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ ) إِلَى قَوْلِهِ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=14&ayano=22وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ) [إِبْرَاهِيمَ : 22] فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَقَتُوا أَنْفُسَهُمْ .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا نِزَاعَ أَنَّ مَقْتَهُمْ أَنْفُسَهُمْ إِنَّمَا يَحْصُلُ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، أَمَّا مَقْتُ اللَّهِ لَهُمْ فَفِيهِ وَجْهَانِ :
الْأَوَّلُ : أَنَّهُ حَاصِلٌ فِي الْآخِرَةِ ، وَالْمَعْنَى لَمَقْتُ اللَّهِ لَكُمْ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَشَدُّ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ فِي هَذَا الْوَقْتِ .
وَالثَّانِي وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ ، أَنَّ التَّقْدِيرَ : لَمَقْتُ اللَّهِ لَكُمْ فِي الدُّنْيَا إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمُ الْآنَ .
فَفِي تَفْسِيرِ الْأَلْفَاظِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ أَوْجُهٌ ; الْأَوَّلُ : أَنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَهُمْ وَيَذْكُرُونَ لَهُمْ هَذَا الْكَلَامَ هُمْ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ . الثَّانِي : الْمَقْتُ أَشَدُّ الْبُغْضِ وَذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ ، فَالْمُرَادُ مِنْهُ أَبْلَغُ الْإِنْكَارِ وَالزَّجْرِ . الثَّالِثُ : قَالَ الْفَرَّاءُ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=10يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ ) مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يُنَادَوْنَ إِنَّ مَقْتَ اللَّهِ لَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَأْتُونَ بِالْكُفْرِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمُ الْآنَ أَنْفُسَكُمْ .
ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّ الْكُفَّارَ إِذَا خُوطِبُوا بِهَذَا الْخِطَابِ (
nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=11قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ ) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَمَّا عَرَفُوا أَنَّ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا كَانَ فَاسِدًا بَاطِلًا ، تَمَنَّوُا الرُّجُوعَ إِلَى الدُّنْيَا لِكَيْ يَشْتَغِلُوا عِنْدَ الرُّجُوعِ إِلَيْهَا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ، وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ :
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : احْتَجَّ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي
nindex.php?page=treesubj&link=32925إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ ، وَتَقْرِيرُ الدَّلِيلِ أَنَّهُمْ أَثْبَتُوا لِأَنْفُسِهِمْ مَوْتَتَيْنِ حَيْثُ قَالُوا : (
nindex.php?page=tafseer&surano=40&ayano=11رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ ) فَأَحَدُ الْمَوْتَتَيْنِ مُشَاهَدٌ فِي الدُّنْيَا فَلَا بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِ حَيَاةٍ أُخْرَى فِي الْقَبْرِ حَتَّى يَصِيرَ الْمَوْتُ الَّذِي يَحْصُلُ عَقِيبَهَا مَوْتًا ثَانِيًا ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى حُصُولِ حَيَاةٍ فِي الْقَبْرِ ، فَإِنْ قِيلَ : قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ : الْمَوْتَةُ الْأُولَى إِشَارَةٌ إِلَى الْحَالَةِ الْحَاصِلَةِ عِنْدَ كَوْنِ الْإِنْسَانِ نُطْفَةً وَعَلَقَةً ، وَالْمَوْتَةُ الثَّانِيَةُ إِشَارَةٌ إِلَى مَا حَصَلَ فِي الدُّنْيَا ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ؟ وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ مَا ذَكَرْنَاهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=28كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ) [الْبَقَرَةِ : 28] وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=28وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا ) الْحَالَةُ الْحَاصِلَةُ عِنْدَ كَوْنِهِ نُطْفَةً وَعَلَقَةً ، وَتَحْقِيقُ الْكَلَامِ أَنَّ الْإِمَاتَةَ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَيَيْنِ ; أَحَدُهُمَا : إِيجَادُ الشَّيْءِ مَيِّتًا . وَالثَّانِي : تَصْيِيرُ الشَّيْءِ مَيِّتًا بَعْدَ أَنْ كَانَ حَيًّا ، كَقَوْلِكَ : وَسَّعَ الْخَيَّاطُ ثَوْبِي ، يُحْتَمَلُ أَنَّهُ خَاطَهُ وَاسِعًا ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ صَيَّرَهُ وَاسِعًا بَعْدَ أَنْ كَانَ ضَيِّقًا ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْإِمَاتَةِ خَلَقَهَا مَيِّتَةً ، وَلَا يَكُونُ الْمُرَادُ تَصْيِيرَهَا مَيِّتَةً بَعْدَ أَنْ كَانَتْ حَيَّةً .
السُّؤَالُ الثَّانِي : أَنَّ هَذَا كَلَامُ الْكُفَّارِ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً .
السُّؤَالُ الثَّالِثُ : أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ حُصُولِ الْحَيَاةِ فِي الْقَبْرِ ، وَبَيَانُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَكَانَ قَدْ حَصَلَتِ الْحَيَاةُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، أَوَّلُهَا فِي الدُّنْيَا . وَثَانِيهَا فِي الْقَبْرِ . وَثَالِثُهَا فِي الْقِيَامَةِ . وَالْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ لَيْسَ إِلَّا حَيَاتَيْنِ فَقَطْ ، فَتَكُونُ إِحْدَاهُمَا الْحَيَاةَ فِي الدُّنْيَا وَالْحَيَاةُ الثَّانِيَةِ فِي الْقِيَامَةِ ، وَالْمَوْتُ الْحَاصِلُ بَيْنَهُمَا هُوَ الْمَوْتُ الْمُشَاهَدُ فِي الدُّنْيَا .
[ ص: 36 ] السُّؤَالُ الرَّابِعُ : أَنَّهُ إِنْ دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى حُصُولِ الْحَيَاةِ فِي الْقَبْرِ فَهَاهُنَا مَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِهِ وَذَلِكَ بِالْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ ، أَمَّا الْمَنْقُولُ فَمِنْ وُجُوهٍ :
الْأَوَّلُ : قَوْلُهُ تَعَالَى : (
nindex.php?page=tafseer&surano=39&ayano=9أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ) [الزُّمَرِ : 9] فَلَمْ يُذْكَرْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِلَّا الْحَذَرُ عَنِ الْآخِرَةِ ، وَلَوْ حَصَلَتِ الْحَيَاةُ فِي الْقَبْرِ لَكَانَ الْحَذَرُ عَنْهَا حَاصِلًا ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَذَكَرَهُ ، وَلَمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ عَلِمْنَا أَنَّهُ غَيْرُ حَاصِلٍ .
الثَّانِي : أَنَّهُ تَعَالَى حَكَى فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُحِقِّينَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ بَعْدَ دُخُولِهِمْ فِي الْجَنَّةِ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=37&ayano=58أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى ) [الصَّافَّاتِ : 58] وَلَا شَكَّ أَنَّ
nindex.php?page=treesubj&link=30412كَلَامَ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ وَصِدْقٌ ، وَلَوْ حَصَلَتْ لَهُمْ حَيَاةٌ فِي الْقَبْرِ لَكَانُوا قَدْ مَاتُوا مَوْتَتَيْنِ ، وَذَلِكَ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=37&ayano=58أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى ) قَالُوا : وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَقْوَى مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا ; لِأَنَّ الْآيَةَ الَّتِي تَمَسَّكْنَا بِهَا حِكَايَةُ قَوْلِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ دَخَلُوا الْجَنَّةَ ، وَالْآيَةَ الَّتِي تَمَسَّكْتُمْ بِهَا حِكَايَةُ قَوْلِ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ دَخَلُوا النَّارَ .
وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَمِنْ وُجُوهٍ :
الْأَوَّلُ : وَهُوَ أَنَّ الَّذِي افْتَرَسَهُ السِّبَاعُ وَأَكَلَتْهُ لَوْ أُعِيدُ حَيًّا لَكَانَ إِمَّا أَنْ يُعَادَ حَيًّا بِمَجْمُوعِهِ أَوْ بِآحَادِ أَجْزَائِهِ ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الْحِسَّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مَجْمُوعٌ . وَالثَّانِي بَاطِلٌ لِأَنَّهُ لَمَّا أَكَلَتْهُ السِّبَاعُ ، فَلَوْ جُعِلَتْ تِلْكَ الْأَجْزَاءُ أَحْيَاءً لَحَصَلَتْ أَحْيَاءً فِي مَعِدَةِ السِّبَاعِ وَفِي أَمْعَائِهَا ، وَذَلِكَ فِي غَايَةِ الِاسْتِبْعَادِ .
الثَّانِي : أَنَّ الَّذِي مَاتَ لَوْ تَرَكْنَاهُ ظَاهِرًا بِحَيْثُ يَرَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَاقِيًا عَلَى مَوْتِهِ ، فَلَوْ جَوَّزْنَا مَعَ هَذِهِ الْحَالَةِ أَنَّهُ يُقَالُ : إِنَّهُ صَارَ حَيًّا لَكَانَ هَذَا تَشْكِيكًا فِي الْمَحْسُوسَاتِ ، وَإِنَّهُ دُخُولٌ فِي السَّفْسَطَةِ . وَالْجَوَابُ : قَوْلُهُ : لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمَوْتَةُ الْأُولَى هِيَ الْمَوْتَةَ الَّتِي كَانَتْ حَاصِلَةً حَالَ مَا كَانَ نُطْفَةً وَعَلَقَةً؟ فَنَقُولُ : هَذَا لَا يَجُوزُ ، وَبَيَانُهُ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ أَمَاتَهُمْ ، وَلَفْظُ الْإِمَاتَةِ مَشْرُوطٌ بِسَبْقِ حُصُولِ الْحَيَاةِ ; إِذْ لَوْ كَانَ الْمَوْتُ حَاصِلًا قَبْلَ هَذِهِ الْحَالَةِ امْتَنَعَ كَوْنُ هَذَا إِمَاتَةً ، وَإِلَّا لَزِمَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ وَهُوَ مُحَالٌ ، وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ : (
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=28كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا ) [الْبَقَرَةِ : 28] لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا أَمْوَاتًا وَلَيْسَ فِيهَا أَنِ اللَّهُ أَمَاتَهُمْ بِخِلَافِ الْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ فِي تَفْسِيرِهَا ; لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَاتَهُمْ مَرَّتَيْنِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ لَفْظَ الْإِمَاتَةِ لَا يَصْدُقُ إِلَّا عِنْدَ سَبْقِ الْحَيَاةِ ، فَظَهَرَ الْفَرْقُ .