وأخرج عن ابن مردويه قال : ابن عباس قدم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أسقف من اليمن فقال له عليه الصلاة والسلام : هل تجدني في الإنجيل رسولا قال : لا فأنزل الله تعالى الآية فالمراد من الذين كفروا على هذا هذا ومن وافقه ورضي بقوله وصيغة الاستقبال لاستحضار صورة كلمتهم الشنعاء تعجيبا منها أو للدلالة على تجدد ذلك منهم واستمراره قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم فإنه جل وعلا قد أظهر على رسالتي من الأدلة والحجج ما فيه غنى عن شهادة شاهد آخر وتسمية ذلك شهادة مع أنه فعل وهي قول مجاز من حيث أنه يغني غناها بل هو أقوى منها ومن عنده علم الكتاب . (43) . أي علم القرآن وما عليه من النظم المعجز قيل : والشهادة إن أريد بها تحملها فالأمر ظاهر وإن أريد أداؤها فالمراد بالموصول المتصف بذلك العنوان من ترك العناد وآمن .
وفي الكشف أن المعنى كفى هذا العالم شهيدا بيني وبينكم ولا يلزم من كفايته في الشهادة أن يؤديها فمن أداها فهو شاهد أمين ومن لم يؤدها فهو خائن وفيه تعريض بليغ بأنهم لو أنصفوا شهدوا وقيل : المراد بالكتاب التوراة والإنجيل والمراد بمن عنده علم ذلك الذين أسلموا من أهل الكتابين وأضرابه فإنهم يشهدون بنعته عليه الصلاة والسلام في كتابهم وإلى هذا ذهب كعبد الله بن سلام فقد أخرج قتادة عبد الرزاق وابن جرير عنه أنه قال في الآية : كان من أهل الكتاب قوم يشهدون بالحق ويعرفونه منهم وابن المنذر عبد الله بن سلام والجارود وتميم الداري وجاء عن وسلمان الفارسي وغيره وهي رواية عن مجاهد أن المراد بذلك ابن عباس عبد الله ولم يذكروا غيره .
وأخرج من طريق ابن مردويه عبد الملك بن عمير عن جندب قال : جاء حتى أخذ بعضادتي باب المسجد ثم قال : أنشدكم بالله تعالى أتعلمون أني الذي أنزلت فيه عبد الله بن سلام ومن عنده علم الكتاب قالوا : اللهم نعم وأنكر ذلك فقد أخرج ابن جبير وجماعة عنه أنه سئل أهذا الذي عنده علم الكتاب هو سعيد بن منصور فقال : كيف وهذه السورة مكية عبد الله بن سلام أنكر أن يكون شيء من القرآن نزل فيه [ ص: 176 ] وهذا لا يعول عليه فمن حفظ حجة على من لم يحفظ وأجيب عن شبهة والشعبي بأنهم قد يقولون : إن السورة مكية وبعض آياتها مدنية فلتكن هذه من ذلك وأنت تعلم أنه لا بد لهذا من نقل . ابن جبير
وفي البحر أن ما ذكر لا يستقيم إلا أن تكون هذه الآية مدنية والجمهور على أنها مكية وأجيب بأن ذلك لا ينافي كون الآية مكية بأن يكون الكلام إخبارا عما سيشهد به ولك أن تقول إذا كان المعنى على طرز ما في الكشف وأنه لا يلزم من كفاية من ذكر في الشهادة أداؤها لم يضر كون الآية مكية وعدم إسلام حين نزولها بل ولا عدم حضوره ولا مانع أن تكون الآية مكية والمراد من الذين كفروا أهل عبد الله بن سلام مكة ومن عنده علم الكتاب اليهود والنصارى كما أخرجه من طريق ابن جرير العوفي عن ويكون حاصل الجواب بذلك إنكم لستم بأهل كتاب فاسألوا أهله فإنهم في جواركم نعم قال ابن عباس شيخ الإسلام : إن الآية مدنية بالاتفاق وكأنه لم يقف على الخلاف وقيل : المراد بالكتاب اللوح و ( من ) عبارة عنه تعالى وروي هذا عن مجاهد وعن والزجاج لا والله ما يعني إلا الله تعالى والمعنى كما في الكشاف كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح إلا هو شهيدا بيني وبينكم وبهذا التأويل صار العطف مثله في قوله : . الحسن
إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم
فلا محذور في العطف والحصر إما من الخارج لأن علم ذلك مخصوص به تعالى أو للذهاب إلى أن الظرف خبر مقدم فيفيد الحصر وقسم للمبالغة في رد ما زعموا على ما قيل : وفي الكشف إنما بالغ الحسن لما قدمنا من بناء السورة الكريمة على ما بني وجعل السابقة مثل الخاتمة وما في العطف من النكتة ولهذا فسره الحسن بقوله : كفى بالذي .. إلخ عطفه عطف ذات على ذات إشارة إلى الاستقلال بالشهادة من كل واحد من الوصفين من غير نظر إلى الآخر فالذي يستحق العبادة قد شهد بما شحن الكتاب من الدعوة إلى عبادته وبما أيد عبده من عنده بأنواع التأييد والذي لا يعلم علم ما في اللوح أي علم كل شيء إلا هو قد شهد بما ضمن الكتاب من المعارف وأنزله على أسلوب فائق على المتعارف ويعضد ذلك القول أنه قرأ الزمخشري كرم الله تعالى وجهه علي وأبي وابن عباس وعكرمة وابن جبير وعبد الرحمن بن أبي بكرة والضحاك وسالم بن عبد الله بن عمر وابن أبي إسحاق ومجاهد والحكم ( ومن عنده علم الكتاب ) بجعل من حرف جر والجار والمجرور خبر مقدم وعلم مبتدأ مؤخر . والأعمش
وقرأ كرم الله تعالى وجهه أيضا علي وابن السميقع بخلاف عنه ( ومن ) عنده بحرف الجر و ( علم الكتاب ) على أن علم فعل مبني للمفعول و ( الكتاب ) نائب الفاعل فإن ضمير ( عنده ) على القراءتين راجع لله تعالى كما في القراءة السابقة على ذلك التأويل والأصل توافق القراءات وقيل : المراد بالكتاب اللوح وبمن والحسن جبريل عليه السلام وأخرج تفسير ( من ) بذلك عن ابن أبي حاتم وهو كما ترى . ابن جبير
وقال محمد بن الحنفية والباقر كما في البحر : المراد بـ ( من ) كرم الله تعالى وجهه والظاهر أن المراد بالكتاب حينئذ القرآن ولعمري أن عنده رضي الله تعالى عنه علم الكتاب كاملا لكن الظاهر أنه كرم الله تعالى وجهه غير مراد والظاهر أن ( من ) في قراءة الجمهور في محل جر بالعطف على لفظ الاسم الجليل ويؤيده أنه قرئ بإعادة الباء في الشواذ وقيل : إنه في محل رفع بالعطف على محله لأن الباء زائدة وقال علي : [ ص: 177 ] يحتمل أن يكون في موضع رفع على الابتداء والخبر محذوف تقديره أعدل أو أمضى قولا أو نحو هذا مما يدل عليه لفظ ابن عطية شهيدا ويراد بذلك الله تعالى وفيه من البعد ما لا يخفى والعلم في القراءة التي وقع عنده فيها صلة مرفوع بالمقدر في الظرف فيكون فاعلا لأن الظرف إذا وقع صلة أوغل في شبه الفعل لاعتماده على الموصول فعمل عمل الفعل كقولك : مررت بالذي في الدار أخوه فأخوه فاعل كما تقول : بالذي استقر في الدار أخوه قاله وليس بالمتحتم لأن الظرف وشبهه إذا وقعا صلتين أو صفتين أو حالين أو خبرين أو تقدمهما أداة نفي أو استفهام جاز فيما بعدهما من الاسم الظاهر أن يرتفع على الفاعلية وهو الأجود وجاز أن يكون مبتدأ والظرف أو شبهه في موضع الخبر والجملة من المبتدأ والخبر صلة أو صفة أو حال أو خبر وهذا مبني على اسم الفاعل فكما جاز ذلك فيه وإن كان الأحسن أعماله في الاسم الظاهر فكذلك يجوز فيما ناب عنه من ظرف أو مجرور وقد نص الزمخشري على إجازة ذلك في نحو مررت برجل حسن وجهه فأجاز رفع حسن على أنه خبر مقدم وقد توهم بعضهم أن اسم الفاعل إذا اعتمد على شيء مما ذكر تحتم إعماله في الظاهر وليس كذلك وقد أعرب سيبويه الحوفي عنده علم الكتاب مبتدأ وخبرا في صلة ( من ) وهو ميل إلى المرجوح وفي الآية على القراءتين بمن الجارة دلالة على أن تشريف العبد بعلوم القرآن من إحسان الله تعالى إليه وتوفيقه نسأل الله تعالى أن يشرفنا بهاتيك العلوم ويوفقنا للوقوف على أسرار ما فيه من المنطوق والمفهوم ويجعلنا ممن تمسك بعروته الوثقى واهتدى بهداه حتى لا يضل ولا يشقى ببركة النبي صلى الله عليه وسلم .