والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم
قوله : والذين يرمون المحصنات يعني بالزنى .
ثم لم يأتوا بأربعة شهداء يعني ببينة على الزنى .
فاجلدوهم ثمانين جلدة وهذا للمقذوفة يجب بطلبها ويسقط بعفوها ، وفيه ثلاثة أقاويل : حد أوجبه الله على القاذف
أحدها : أنه من حقوق الآدميين ، لوجوبه بالطلب ، وسقوطه بالعفو ، وهذا مذهب . الشافعي
الثاني : من حقوق الله لأنه لا ينتقل إلى مال ، وهذا مذهب . أبي حنيفة
الثالث : أنه من الحقوق المشتركة بين حق الله وحق الآدميين لتمازج الحقين وهذا مذهب بعض المتأخرين .
ولا يكمل حد القذف بعد البلوغ والعقل إلى بحريتهما وإسلام المقذوف وعفافه ، فإن عزر قاذفه ولم يحد ، وإن كان المقذوف كافرا أو عبدا حد حدا كاملا ، وإن كان القاذف كافرا حد نصف الحد . كان عبدا
ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون وهذا مما غلظ الله به [ ص: 75 ]
القذف حتى علق به من التغليظ ثلاثة أحكام : وجوب الحد ، والتفسيق وسقوط الشهادة . ولم يجعل في القذف بغير الزنى حدا لما في القذف بالزنى من تعدي المعرة إلا الأهل والنسل .
قوله : إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا الآية . ترفع الفسق ولا تسقط الحد . واختلفوا في التوبة من القذف على أربعة أقوال : قبول الشهادة
أحدها : تقبل شهادته قبل الحد وبعده لارتفاع فسقه وعوده إلى عدالته وهذا مذهب مالك وبه قال جمهور المفسرين . والشافعي
الثاني : لا تقبل شهادته أبدا ، لا قبل الحد ولا بعده ، وهذا مذهب . شريح
الثالث : أنه تقبل شهادته بالتوبة قبل الحد ولا تقبل بعده ، وهذا مذهب . أبي حنيفة
الرابع : تقبل شهادته بعد الحد ولا تقبل قبله ، وهذا مذهب قال إبراهيم النخعي : تقبل توبته ولا تقبل شهادته . وفي الشعبي قولان : صفة التوبة
أحدهما : أنها بإكذابه نفسه وقد رواه عن الزهري أن ابن المسيب جلد عمر بن الخطاب أبا بكرة وشبل بن معبد ونافع بن الحارث بن كلدة وقال لهم : من أكذب نفسه أحرز شهادته فأكذب نفسه شبل ، وأبى ونافع أن يفعل ، قال الزهري ، وهو والله السنة فاحفظوه . أبو بكرة
الثاني : أن توبته منه تكون بصلاح حاله وندمه على قذفه والاستغفار منه وترك العود إلى مثله ، قاله . ابن جرير