وهذه الأمم التي يقص الله - سبحانه - من أنبائها على رسوله - صلى الله عليه وسلم - ومن وراءه من أمته . . لم تفد من الشدة شيئا . لم تتضرع إلى الله ، ولم ترجع عما زينه لها الشيطان من الإعراض والعناد . . وهنا يملي
[ ص: 1090 ] لها الله - سبحانه - ويستدرجها بالرخاء :
nindex.php?page=treesubj&link=28977_30525_30532_30550_34127nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=44فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء. حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة، فإذا هم مبلسون nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=45فقطع دابر القوم الذين ظلموا، والحمد لله رب العالمين . .
إن الرخاء ابتلاء آخر كابتلاء الشدة . وهو مرتبة أشد وأعلى من مرتبة الشدة ! والله يبتلي بالرخاء كما يبتلي بالشدة . يبتلي الطائعين والعصاة سواء . بهذه وبذاك سواء . . والمؤمن يبتلى بالشدة فيصبر ، ويبتلى بالرخاء فيشكر . ويكون أمره كله خيرا . . وفي الحديث :
nindex.php?page=hadith&LINKID=662326عجبا للمؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له (رواه
nindex.php?page=showalam&ids=17080مسلم ) .
فأما هذه الأمم التي كذبت بالرسل ، والتي يقص الله من أنبائها هنا . فإنهم لما نسوا ما ذكروا به ، وعلم الله - سبحانه - أنهم مهلكون ، وابتلاهم بالبأساء والضراء فلم يتضرعوا . . فأما هؤلاء فقد فتح عليهم أبواب كل شيء للاستدراج بعد الابتلاء . .
والتعبير القرآني :
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=44فتحنا عليهم أبواب كل شيء . . يصور الأرزاق والخيرات ، والمتاع ، والسلطان . . متدفقة كالسيول ; بلا حواجز ولا قيود ! وهي مقبلة عليهم بلا عناء ولا كد ولا حتى محاولة !
إنه مشهد عجيب ; يرسم حالة في حركة ; على طريقة التصوير القرآني العجيب .
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=44حتى إذا فرحوا بما أوتوا . .
وغمرتهم الخيرات والأرزاق المتدفقة ; واستغرقوا في المتاع بها والفرح لها - بلا شكر ولا ذكر - وخلت قلوبهم من الاختلاج بذكر المنعم ومن خشيته وتقواه ; وانحصرت اهتماماتهم في لذائذ المتاع واستسلموا للشهوات ، وخلت حياتهم من الاهتمامات الكبيرة كما هي عادة المستغرقين في اللهو والمتاع . وتبع ذلك فساد النظم والأوضاع ، بعد فساد القلوب والأخلاق ; وجر هذا وذلك إلى نتائجه الطبيعية من فساد الحياة كلها . . عندئذ جاء موعد السنة التي لا تتبدل :
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=44أخذناهم بغتة، فإذا هم مبلسون . .
فكان أخذهم على غرة ; وهم في سهوة وسكرة . فإذا هم حائرون منقطعو الرجاء في النجاة عاجزون عن التفكير في أي اتجاه . وإذا هم مهلكون بجملتهم حتى آخر واحد منهم .
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=45فقطع دابر القوم الذين ظلموا . .
ودابر القوم هو آخر واحد منهم يدبرهم ، أي : يجيء على أدبارهم ; فإذا قطع هذا فأوائلهم أولى ! . . و
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=45الذين ظلموا تعني هنا الذين أشركوا . . كما هو التعبير القرآني في أغلب المواضع عن الشرك بالظلم وعن المشركين بالظالمين . .
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=45والحمد لله رب العالمين . .
تعقيب على استئصال الظالمين (المشركين ) بعد هذا الاستدراج الإلهي والكيد المتين . . وهل يحمد الله على نعمة ، أجل من نعمة تطهير الأرض من الظالمين ، أو على رحمة أجل من رحمته لعباده بهذا التطهير ؟
لقد أخذ الله قوم
نوح وقوم
هود وقوم
صالح وقوم
لوط ، كما أخذ الفراعنة والإغريق والرومان وغيرهم بهذه
[ ص: 1091 ] السنة ; ووراء ازدهار حضارتهم ثم تدميرها ، ذلك السر المغيب من قدر الله ; وهذا القدر الظاهر من سنته ; وهذا التفسير الرباني لهذا الواقع التاريخي المعروف .
ولقد كان لهذه الأمم من الحضارة ; وكان لها من التمكين في الأرض ; وكان لها من الرخاء والمتاع ; ما لا يقل - إن لم يزد في بعض نواحيه - عما تتمتع به اليوم أمم ; مستغرقة في السلطان والرخاء والمتاع ; مخدوعة بما هي فيه ; خادعة لغيرها ممن لا يعرفون سنة الله في الشدة والرخاء . .
هذه الأمم لا تدرك أن هناك سنة ، ولا تشعر أن الله يستدرجها وفق هذه السنة . والذين يدورون في فلكها يبهرهم اللألاء الخاطف ، ويتعاظمهم الرخاء والسلطان ، ويخدعهم إملاء الله لهذه الأمم ، وهي لا تعبد الله أو لا تعرفه ، وهي تتمرد على سلطانه ، وهي تدعي لأنفسها خصائص ألوهيته ، وهي تعيث في الأرض فسادا ، وهي تظلم الناس بعد اعتدائها على سلطان الله . .
ولقد كنت - في أثناء وجودي في
الولايات المتحدة الأمريكية - أرى رأي العين مصداق قول الله سبحانه :
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=44فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء . . فإن المشهد الذي ترسمه هذه الآية . . مشهد تدفق كل شيء من الخيرات والأرزاق بلا حساب ! . . لا يكاد يتمثل في الأرض كلها كما يتمثل هناك !
وكنت أرى غرور القوم بهذا الرخاء الذي هم فيه ، وشعورهم بأنه وقف على "الرجل الأبيض " وطريقة تعاملهم مع الملونين في عجرفة مرذولة ، وفي وحشية كذلك بشعة ! وفي صلف على أهل الأرض كلهم لا يقاس إليه صلف النازية الذي شهر به اليهود في الأرض كلها حتى صار علما على الصلف العنصري . بينما الأمريكي الأبيض يزاوله تجاه الملونين في صورة أشد وأقسى ! وبخاصة إذا كان هؤلاء الملونون من المسلمين . .
كنت أرى هذا كله فأذكر هذه الآية ، وأتوقع سنة الله ، وأكاد أرى خطواتها وهي تدب إلى الغافلين :
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=44حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=45فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين . .
وإذا كان الله قد رفع عذاب الاستئصال بعد بعثة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهناك ألوان من العذاب باقية . والبشرية - وبخاصة الأمم التي فتحت عليها أبواب كل شيء - تذوق منها الكثير . على الرغم من هذا النتاج الوفير ، ومن هذا الرزق الغزير !
إن العذاب النفسي ، والشقاء الروحي ، والشذوذ الجنسي ، والانحلال الخلقي . . الذي تقاسي منه هذه الأمم اليوم ، ليكاد يغطي على الإنتاج والرخاء والمتاع ; وليكاد يصبغ الحياة كلها بالنكد والقلق والشقاء ! ذلك إلى جانب الطلائع التي تشير إليها القضايا الأخلاقية السياسية ، التي تباع فيها أسرار الدولة ، وتقع فيها الخيانة للأمة ، في مقابل شهوة أو شذوذ . . وهي طلائع لا تخطئ على نهاية المطاف !
وليس هذا كله إلا بداية الطريق . . وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :
nindex.php?page=hadith&LINKID=697518إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا - على معاصيه - ما يحب . فإنما هو استدراج " . . ثم تلا : nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=44فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء. حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون . . (رواه
nindex.php?page=showalam&ids=16935ابن جرير ،
nindex.php?page=showalam&ids=11970وابن أبي حاتم ) .
غير أنه ينبغي ، مع ذلك ، التنبيه إلى أن سنة الله في تدمير (الباطل ) أن يقوم في الأرض (حق ) يتمثل في (أمة ) . . ثم يقذف الله بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق . . فلا يقعدن أهل الحق كسالى يرتقبون
[ ص: 1092 ] أن تجري سنة الله بلا عمل منهم ولا كد . فإنهم حينئذ لا يمثلون الحق ، ولا يكونون أهله . . وهم كسالى قاعدون . . والحق لا يتمثل إلا في أمة تقوم لتقر حاكمية الله في الأرض ، وتدفع المغتصبين لها من الذين يدعون خصائص الألوهية . . هذا هو الحق الأول ، والحق الأصيل . .
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=251ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض . .
وَهَذِهِ الْأُمَمُ الَّتِي يَقُصُّ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - مِنْ أَنْبَائِهَا عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ وَرَاءَهُ مِنْ أُمَّتِهِ . . لَمْ تُفِدْ مِنَ الشِّدَّةِ شَيْئًا . لَمْ تَتَضَرَّعْ إِلَى اللَّهِ ، وَلَمْ تَرْجِعْ عَمَّا زَيَّنَهُ لَهَا الشَّيْطَانُ مِنَ الْإِعْرَاضِ وَالْعِنَادِ . . وَهُنَا يُمْلِي
[ ص: 1090 ] لَهَا اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - وَيَسْتَدْرِجُهَا بِالرَّخَاءِ :
nindex.php?page=treesubj&link=28977_30525_30532_30550_34127nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=44فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ. حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً، فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=45فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . .
إِنَّ الرَّخَاءَ ابْتِلَاءٌ آخَرُ كَابْتِلَاءِ الشِّدَّةِ . وَهُوَ مَرْتَبَةٌ أَشَدُّ وَأَعْلَى مِنْ مَرْتَبَةِ الشِّدَّةِ ! وَاللَّهُ يَبْتَلِي بِالرَّخَاءِ كَمَا يَبْتَلِي بِالشِّدَّةِ . يَبْتَلِي الطَّائِعِينَ وَالْعُصَاةَ سَوَاءً . بِهَذِهِ وَبِذَاكَ سَوَاءً . . وَالْمُؤْمِنُ يُبْتَلَى بِالشِّدَّةِ فَيَصْبِرُ ، وَيُبْتَلَى بِالرَّخَاءِ فَيَشْكُرُ . وَيَكُونُ أَمْرُهُ كُلُّهُ خَيْرًا . . وَفِي الْحَدِيثِ :
nindex.php?page=hadith&LINKID=662326عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ (رَوَاهُ
nindex.php?page=showalam&ids=17080مُسْلِمٌ ) .
فَأَمَّا هَذِهِ الْأُمَمُ الَّتِي كَذَّبَتْ بِالرُّسُلِ ، وَالَّتِي يَقُصُّ اللَّهُ مِنْ أَنْبَائِهَا هُنَا . فَإِنَّهُمْ لَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ ، وَعَلِمَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - أَنَّهُمْ مُهْلَكُونَ ، وَابْتَلَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ فَلَمْ يَتَضَرَّعُوا . . فَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَقَدْ فَتَحَ عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ لِلِاسْتِدْرَاجِ بَعْدَ الِابْتِلَاءِ . .
وَالتَّعْبِيرُ الْقُرْآنِيُّ :
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=44فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ . . يُصَوِّرُ الْأَرْزَاقَ وَالْخَيْرَاتِ ، وَالْمَتَاعَ ، وَالسُّلْطَانَ . . مُتَدَفِّقَةً كَالسُّيُولِ ; بِلَا حَوَاجِزَ وَلَا قُيُودٍ ! وَهِيَ مُقْبِلَةٌ عَلَيْهِمْ بِلَا عَنَاءٍ وَلَا كَدٍّ وَلَا حَتَّى مُحَاوَلَةٍ !
إِنَّهُ مَشْهَدٌ عَجِيبٌ ; يَرْسُمُ حَالَةً فِي حَرَكَةٍ ; عَلَى طَرِيقَةِ التَّصْوِيرِ الْقُرْآنِيِّ الْعَجِيبِ .
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=44حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا . .
وَغَمَرَتْهُمُ الْخَيْرَاتُ وَالْأَرْزَاقُ الْمُتَدَفِّقَةُ ; وَاسْتَغْرَقُوا فِي الْمَتَاعِ بِهَا وَالْفَرَحِ لَهَا - بِلَا شُكْرٍ وَلَا ذِكْرٍ - وَخَلَتْ قُلُوبُهُمْ مِنَ الِاخْتِلَاجِ بِذِكْرِ الْمُنْعِمِ وَمِنْ خَشْيَتِهِ وَتَقْوَاهُ ; وَانْحَصَرَتِ اهْتِمَامَاتُهُمْ فِي لَذَائِذِ الْمَتَاعِ وَاسْتَسْلَمُوا لِلشَّهَوَاتِ ، وَخَلَتْ حَيَاتُهُمْ مِنَ الِاهْتِمَامَاتِ الْكَبِيرَةِ كَمَا هِيَ عَادَةُ الْمُسْتَغْرِقِينَ فِي اللَّهْوِ وَالْمَتَاعِ . وَتَبِعَ ذَلِكَ فَسَادُ النُّظُمِ وَالْأَوْضَاعِ ، بَعْدَ فَسَادِ الْقُلُوبِ وَالْأَخْلَاقِ ; وَجَرَّ هَذَا وَذَلِكَ إِلَى نَتَائِجِهِ الطَّبِيعِيَّةِ مِنْ فَسَادِ الْحَيَاةِ كُلِّهَا . . عِنْدَئِذٍ جَاءَ مَوْعِدُ السُّنَّةِ الَّتِي لَا تَتَبَدَّلُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=44أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً، فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ . .
فَكَانَ أَخْذُهُمْ عَلَى غِرَّةٍ ; وَهُمْ فِي سَهْوَةٍ وَسَكْرَةٍ . فَإِذَا هُمْ حَائِرُونَ مُنْقَطِعُو الرَّجَاءِ فِي النَّجَاةِ عَاجِزُونَ عَنِ التَّفْكِيرِ فِي أَيِّ اتِّجَاهٍ . وَإِذَا هُمْ مُهْلَكُونَ بِجُمْلَتِهِمْ حَتَّى آخِرَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ .
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=45فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا . .
وَدَابِرُ الْقَوْمِ هُوَ آخِرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَدْبُرُهُمْ ، أَيْ : يَجِيءُ عَلَى أَدْبَارِهِمْ ; فَإِذَا قُطِعَ هَذَا فَأَوَائِلُهُمْ أَوْلَى ! . . وَ
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=45الَّذِينَ ظَلَمُوا تَعْنِي هُنَا الَّذِينَ أَشْرَكُوا . . كَمَا هُوَ التَّعْبِيرُ الْقُرْآنِيُّ فِي أَغْلَبِ الْمَوَاضِعِ عَنِ الشِّرْكِ بِالظُّلْمِ وَعَنِ الْمُشْرِكِينَ بِالظَّالِمِينَ . .
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=45وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . .
تَعْقِيبٌ عَلَى اسْتِئْصَالِ الظَّالِمِينَ (الْمُشْرِكِينَ ) بَعْدَ هَذَا الِاسْتِدْرَاجِ الْإِلَهِيِّ وَالْكَيْدِ الْمَتِينِ . . وَهَلْ يُحْمَدُ اللَّهُ عَلَى نِعْمَةٍ ، أَجَلَّ مِنْ نِعْمَةِ تَطْهِيرِ الْأَرْضِ مِنَ الظَّالِمِينَ ، أَوْ عَلَى رَحْمَةٍ أَجَلَّ مِنْ رَحْمَتِهِ لِعِبَادِهِ بِهَذَا التَّطْهِيرِ ؟
لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ قَوْمَ
نُوحٍ وَقَوْمَ
هُودٍ وَقَوْمَ
صَالِحٍ وَقَوْمَ
لُوطٍ ، كَمَا أَخَذَ الْفَرَاعِنَةَ وَالْإِغْرِيقَ وَالرُّومَانَ وَغَيْرَهُمْ بِهَذِهِ
[ ص: 1091 ] السُّنَّةِ ; وَوَرَاءَ ازْدِهَارِ حَضَارَتِهِمْ ثُمَّ تَدْمِيرِهَا ، ذَلِكَ السِّرُّ الْمُغَيَّبُ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ ; وَهَذَا الْقَدَرُ الظَّاهِرُ مِنْ سُنَّتِهِ ; وَهَذَا التَّفْسِيرُ الرَّبَّانِيُّ لِهَذَا الْوَاقِعِ التَّارِيخِيِّ الْمَعْرُوفِ .
وَلَقَدْ كَانَ لِهَذِهِ الْأُمَمِ مِنَ الْحَضَارَةِ ; وَكَانَ لَهَا مِنَ التَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ ; وَكَانَ لَهَا مِنَ الرَّخَاءِ وَالْمَتَاعِ ; مَا لَا يَقِلُّ - إِنْ لَمْ يَزِدْ فِي بَعْضِ نَوَاحِيهِ - عَمَّا تَتَمَتَّعُ بِهِ الْيَوْمَ أُمَمٌ ; مُسْتَغْرِقَةٌ فِي السُّلْطَانِ وَالرَّخَاءِ وَالْمَتَاعِ ; مَخْدُوعَةٌ بِمَا هِيَ فِيهِ ; خَادِعَةٌ لِغَيْرِهَا مِمَّنْ لَا يَعْرِفُونَ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ . .
هَذِهِ الْأُمَمُ لَا تُدْرِكُ أَنَّ هُنَاكَ سُنَّةً ، وَلَا تَشْعُرُ أَنَّ اللَّهَ يَسْتَدْرِجُهَا وَفْقَ هَذِهِ السُّنَّةِ . وَالَّذِينَ يَدُورُونَ فِي فَلَكِهَا يُبْهِرُهُمُ اللَّأْلَاءُ الْخَاطِفُ ، وَيَتَعَاظَمُهُمُ الرَّخَاءُ وَالسُّلْطَانُ ، وَيَخْدَعُهُمْ إِمْلَاءُ اللَّهِ لِهَذِهِ الْأُمَمِ ، وَهِيَ لَا تَعْبُدُ اللَّهَ أَوْ لَا تَعْرِفُهُ ، وَهِيَ تَتَمَرَّدُ عَلَى سُلْطَانِهِ ، وَهِيَ تَدَّعِي لِأَنْفُسِهَا خَصَائِصَ أُلُوهِيَّتِهِ ، وَهِيَ تَعِيثُ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ، وَهِيَ تَظْلِمُ النَّاسَ بَعْدَ اعْتِدَائِهَا عَلَى سُلْطَانِ اللَّهِ . .
وَلَقَدْ كُنْتُ - فِي أَثْنَاءِ وُجُودِي فِي
الْوِلَايَاتِ الْمُتَّحِدَةِ الْأَمْرِيكِيَّةِ - أَرَى رَأْيَ الْعَيْنِ مِصْدَاقَ قَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ :
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=44فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ . . فَإِنَّ الْمَشْهَدَ الَّذِي تَرْسُمُهُ هَذِهِ الْآيَةُ . . مَشْهَدَ تَدَفُّقِ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْخَيْرَاتِ وَالْأَرْزَاقِ بِلَا حِسَابٍ ! . . لَا يَكَادُ يَتَمَثَّلُ فِي الْأَرْضِ كُلِّهَا كَمَا يَتَمَثَّلُ هُنَاكَ !
وَكُنْتُ أَرَى غُرُورَ الْقَوْمِ بِهَذَا الرَّخَاءِ الَّذِي هُمْ فِيهِ ، وَشُعُورَهُمْ بِأَنَّهُ وَقْفٌ عَلَى "الرَّجُلِ الْأَبْيَضِ " وَطَرِيقَةَ تَعَامُلِهِمْ مَعَ الْمُلَوَّنِينَ فِي عَجْرَفَةٍ مَرْذُولَةٍ ، وَفِي وَحْشِيَّةٍ كَذَلِكَ بَشِعَةٍ ! وَفِي صَلَفٍ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ كُلِّهِمْ لَا يُقَاسُ إِلَيْهِ صَلَفُ النَّازِيَّةِ الَّذِي شَهَّرَ بِهِ الْيَهُودُ فِي الْأَرْضِ كُلِّهَا حَتَّى صَارَ عَلَمًا عَلَى الصَّلَفِ الْعُنْصُرِيِّ . بَيْنَمَا الْأَمْرِيكِيُّ الْأَبْيَضُ يُزَاوِلُهُ تُجَاهَ الْمُلَوَّنِينَ فِي صُورَةٍ أَشَدَّ وَأَقْسَى ! وَبِخَاصَّةٍ إِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ الْمُلَوَّنُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . .
كُنْتُ أَرَى هَذَا كُلَّهُ فَأَذْكُرُ هَذِهِ الْآيَةَ ، وَأَتَوَقَّعُ سُنَّةَ اللَّهِ ، وَأَكَادُ أَرَى خُطُوَاتِهَا وَهِيَ تَدِبُّ إِلَى الْغَافِلِينَ :
nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=44حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=45فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . .
وَإِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ رَفَعَ عَذَابَ الِاسْتِئْصَالِ بَعْدَ بِعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُنَاكَ أَلْوَانٌ مِنَ الْعَذَابِ بَاقِيَةٌ . وَالْبَشَرِيَّةُ - وَبِخَاصَّةٍ الْأُمَمَ الَّتِي فُتِحَتْ عَلَيْهَا أَبْوَابُ كُلِّ شَيْءٍ - تَذُوقُ مِنْهَا الْكَثِيرَ . عَلَى الرَّغْمِ مِنْ هَذَا النِّتَاجِ الْوَفِيرِ ، وَمِنْ هَذَا الرِّزْقِ الْغَزِيرِ !
إِنَّ الْعَذَابَ النَّفْسِيَّ ، وَالشَّقَاءَ الرُّوحِيَّ ، وَالشُّذُوذَ الْجِنْسِيَّ ، وَالِانْحِلَالَ الْخُلُقِيَّ . . الَّذِي تُقَاسِي مِنْهُ هَذِهِ الْأُمَمُ الْيَوْمَ ، لَيَكَادُ يُغَطِّي عَلَى الْإِنْتَاجِ وَالرَّخَاءِ وَالْمَتَاعِ ; وَلَيَكَادُ يَصْبُغُ الْحَيَاةَ كُلَّهَا بِالنَّكَدِ وَالْقَلَقِ وَالشَّقَاءِ ! ذَلِكَ إِلَى جَانِبِ الطَّلَائِعِ الَّتِي تُشِيرُ إِلَيْهَا الْقَضَايَا الْأَخْلَاقِيَّةُ السِّيَاسِيَّةُ ، الَّتِي تُبَاعُ فِيهَا أَسْرَارُ الدَّوْلَةِ ، وَتَقَعُ فِيهَا الْخِيَانَةُ لِلْأُمَّةِ ، فِي مُقَابِلِ شَهْوَةٍ أَوْ شُذُوذٍ . . وَهِيَ طَلَائِعُ لَا تُخْطِئُ عَلَى نِهَايَةِ الْمَطَافِ !
وَلَيْسَ هَذَا كُلُّهُ إِلَّا بِدَايَةَ الطَّرِيقِ . . وَصَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ :
nindex.php?page=hadith&LINKID=697518إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا - عَلَى مَعَاصِيهِ - مَا يُحِبُّ . فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ " . . ثُمَّ تَلَا : nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=44فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ. حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ . . (رَوَاهُ
nindex.php?page=showalam&ids=16935ابْنُ جَرِيرٍ ،
nindex.php?page=showalam&ids=11970وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ) .
غَيْرَ أَنَّهُ يَنْبَغِي ، مَعَ ذَلِكَ ، التَّنْبِيهُ إِلَى أَنَّ سُنَّةَ اللَّهِ فِي تَدْمِيرِ (الْبَاطِلِ ) أَنْ يَقُومَ فِي الْأَرْضِ (حَقٌّ ) يَتَمَثَّلُ فِي (أُمَّةٍ ) . . ثُمَّ يَقْذِفُ اللَّهُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ . . فَلَا يَقْعُدَنَّ أَهْلُ الْحَقِّ كَسَالَى يَرْتَقِبُونَ
[ ص: 1092 ] أَنْ تَجْرِيَ سُنَّةُ اللَّهِ بِلَا عَمَلٍ مِنْهُمْ وَلَا كَدٍّ . فَإِنَّهُمْ حِينَئِذٍ لَا يُمَثِّلُونَ الْحَقَّ ، وَلَا يَكُونُونَ أَهْلَهُ . . وَهُمْ كَسَالَى قَاعِدُونَ . . وَالْحَقُّ لَا يَتَمَثَّلُ إِلَّا فِي أُمَّةٍ تَقُومُ لِتُقِرَّ حَاكِمِيَّةَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ ، وَتَدْفَعَ الْمُغْتَصِبِينَ لَهَا مِنَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ خَصَائِصَ الْأُلُوهِيَّةِ . . هَذَا هُوَ الْحَقُّ الْأَوَّلُ ، وَالْحَقُّ الْأَصِيلُ . .
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=251وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ . .