[ ص: 3879 ] خاتمة
قال تعالى: في ختام هذه السورة التي بلغت أقصى غاية القصص بلاغة وبيانا، وعلما نفسيا وخلقيا، وبيانا للإرادة القوية، وكيف تصبر في مواطن الهجوم عليها بالأهواء الجامحة، والشهوات المنحرفة، والوفاء، والمحبة، والرفق في المعاملة، وعلاج الأمور بالحكمة، والتدبير، ولطف المواتاة للخير.
قال تعالى في ختام هذه السورة:
nindex.php?page=treesubj&link=28742_29778_29785_32016_32232_32235_34224_34225_28983nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=111لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون
القصص بالفتح: الإخبار عن الماضين، والقصص بالكسر جمع قصة، كقطع جمع قطعة، وغير ذلك، وقوله تعالى:
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=111لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب قصر بعض المفسرين القصص على قصة
يوسف عليه السلام، وبعضهم عممه على قصص الأنبياء جميعا، وعلى ذلك يكون الضمير في قصصهم يعود إلى الأنبياء الذين ذكرت أخبارهم في القرآن الكريم
كنوح وإدريس وإبراهيم وموسى وعيسى ولوط ويوسف ويعقوب، وعلى الرأي الأول يكون الضمير يعود إلى
يوسف وأبيه وإخوته.
وقد رجح
nindex.php?page=showalam&ids=14423الزمخشري الثاني بعود الضمير إلى الأنبياء، وذلك لقراءة كسر القاف، إذ إنها تكون قصصا، وليست قصة واحدة، وقصة
يوسف واحدة، وليست قصصا متعددة.
ومهما يكن فإن قصة
يوسف قصة واحدة، اختص بها
يوسف عليه السلام، وهي أخبار متنوعة قطبها
يوسف عليه السلام، وفيها عبر مختلفة، فيها بيان لحال النفوس، وما يعروها من منازع، وما تعترك به من أهواء، وما في النفس من قوة إرادة وصبر للمهتدين، ونزوغ فاسد للضعفاء الذين ينساقون، وما فيها ما يحمي البيوت من آفات، وما يعروها من انحرافات، وفيها بيان لتدبير الجماعة، وتنظيم
[ ص: 3880 ] لاقتصادها، وإحكام، وإخلاص، وعدل، وبيان لما يجب من الادخار من سني الرخاء لسني الشدة، كما قال تعالى:
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=47فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون nindex.php?page=treesubj&link=7643وفي سورة يوسف صورة للحاكم العادل، تراها في
nindex.php?page=treesubj&link=31897أوصاف يوسف عليه السلام.
وأولى هذه الصفات البارزة: قوة الإرادة، ومظهرها الصبر عندما تعتلج النفس بأسباب الشهوات.
وثانيها: الأناة، وأن يضبط نفسه عند الغضب، ولا ينساق وراءه، فالحاكم الذي يسير وراء الغضب يشط، ويظلم، وقد رماه إخوته بالسرقة كاذبين عليه، مغرضين عليه.
وثالثها: العناية بذوي الحاجات، ولو كانوا مؤذين له، أو سبق لهم منه الأذى كما عامل إخوته.
ورابعها: الثقة بالنفس، وطلب الأمر إن كان يصلحه، كما قال
يوسف nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=55اجعلني على خزائن الأرض فلم يفر من تحمل التبعة عن بينة وجدارة واستحقاق، مع ذاكرة قوية مدركة، يعلم ما مضى وما حضر.
وخامسها: الإخلاص لله تعالى، وعبادته وحده، فلا يشرك، فتدين الحاكم يجعله خاضعا لله.
وسادسها; أن يكون رفيقا في معاملة الناس شفيقا بهم، فهو كالوالي على اليتيم، يعطيهم من رفقه ورفده ما يدنيهم إليه، وهكذا كان
يوسف حتى وهو في سجنه، فقد كان يناديهم، وهو في سجنه مع المسجونين بأنهم أحبابه وأصحابه، وإن من الشفقة والرفق العفو عندما توجد أسباب يداوى به الحسد والعداوة، فلا يجتث شيء الحسد والأحقاد كالعفو والمحبة وإدناء البعيد، وتقريب العشير، وكل ذلك كان في
يوسف. [ ص: 3881 ]
وسابعها: التأني للأمور، وقد رأينا كيف أخذ الثقة في لين، ومن غير إعنات من العزيز، ظهر ذلك فيمن هو أعلى منصبا منه، وظهر في صغائر الأمور، كما رأيت في استبقائه أخاه من غير اقتتال، بل بوضعه السقاية في رحل أخيه من غير اتهام لشخصه، ثم أخذ الحكم من ألسنتهم، ونفذه بقولهم. ثم من بعد ذلك أخذ الأمور بالتأني، حتى التقى بأبيه على مائدة الرحمة والمودة والإيثار، وقد قتل الحقد بالعفو، والغيرة بالمحبة، والضلال بالهداية.
وفي السورة عبر كثيرة، وقد ذكرنا بعضا منها في أول السورة في معاني قوله تعالى:
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=7لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين
وقلنا: إن قوله تعالى:
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=111لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب الضمير يعود إلى الأنبياء، وخصصنا نحن قصة
يوسف ببعض ما يلوح منها من عبر، والعبرة والاعتبار الحال التي يعرف فيها، ما يجب عمله في الحاضر بالأخذ مما كان في الماضي بأن يتفكر ويتدبر ما كان في الماضي من وقائع، ويعلم أنه نور يضيء للحاضر، فالإنسان ابن الإنسان يتشابه في آثامه، ويتشابه في عواقبها ونهايتها، فذكر هذه الآثام لجماعة أو قبيل، وبيان العواقب بيان للعواقب في كل جيل، لمن يقع فيها من أهل هذا الجيل الذي خلف الأول، ولذا كان في قصص الرسل إنذار للمشركين وتسلية للنبي والمؤمنين بأن نصر الله آت، وكل آت قريب مهما يتأخر الزمان.
ويقيد سبحانه وتعالى المعتبرين بأن يكونوا من ذوي الألباب أي: العقول التي تذهب في إدراكها إلى لب الأمور وحقائقها، ويتدبرون مباديها، ونهاياتها، ويبين الله سبحانه أنه لم يكن حديثا يفترى ويخترع كأساطير الأولين
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=111ما كان حديثا يفترى كما قال الأفاكون إنها
nindex.php?page=tafseer&surano=25&ayano=5أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا والتنكير في - حديثا - لعموم النفي أي: ما كان
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=111حديثا أي: حديثا يفترى ويخترع اختراعا لمجرد التسلية وتزجية الفراغ،
[ ص: 3882 ] والتسلي المجرد بالأحاديث، بل كان أخبارا جاءت بها الكتب السماوية من قبل، ولذا قال تعالى:
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=111ولكن تصديق الذي بين يديه أي: أنه كلام فيه تصديق لما بين يديه من الكتب السماوية التي نزلت من قبله كالتوراة الصادقة، وقوله:
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=111تصديق الذي بين يديه فيه إثبات صدقه فيما أخبر، وصدقها فيما أخبرت به; لأن الصدر فيها واحد، ويعبر بكلمة
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=111بين يديه في القرآن بما سبقه، وكأنه بعلمه حاضر بين يديه.
لقد ذكرها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وقال إنها من القرآن، وهي موافقة للصادق من الكتب عند اليهود والنصارى ومبينة للزائف منها، وكان ذلك على لسان رجل لا يقرأ ولا يكتب، وفي قوم أميين ليس عندهم علم ولا معاهد للعلم، وما كان كثير النجعة والارتحال، بل لم يعرف له إلا رحلتان إلى الشام، إحداهما في الثانية عشرة، والثانية في الخامسة والعشرين من عمره.
والضمير المستتر في قوله تعالى:
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=111ما كان حديثا يفترى عائد إلى القصص، وهو مصدق لما جاء في الكتب السابقة، ودليل على صدق النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وفيه هداية ورحمة لقوم من شأنهم الإيمان بالحق إذا جاءهم فالقصص فيه هداية لأن فيه دعوة النبيين وعاقبة المكذبين، وفيه رحمة لتجنيب المؤمنين عاقبة الكفر.
ويصح أن يكون الضمير عائد إلى القرآن الكريم المشتمل على القصص فهو في ذاته هدى، لأنه من عند الله، وهو رحمة، لأن الهداية رحمة، وخص ذلك بالذين يؤمنون ويذعنون للحق إذا جاءهم،
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=111ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون أما من لا يذعنون ولا يؤمنون فهم قوم بور.
[ ص: 3879 ] خَاتِمَةٌ
قَالَ تَعَالَى: فِي خِتَامِ هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي بَلَغَتْ أَقْصَى غَايَةِ الْقَصَصِ بَلَاغَةً وَبَيَانًا، وَعِلْمًا نَفْسِيًّا وَخُلُقِيًّا، وَبَيَانًا لِلْإِرَادَةِ الْقَوِيَّةِ، وَكَيْفَ تُصَبِّرُ فِي مُوَاطِنِ الْهُجُومِ عَلَيْهَا بِالْأَهْوَاءِ الْجَامِحَةِ، وَالشَّهَوَاتِ الْمُنْحَرِفَةِ، وَالْوَفَاءِ، وَالْمَحَبَّةِ، وَالرِّفْقِ فِي الْمُعَامَلَةِ، وَعِلَاجِ الْأُمُورِ بِالْحِكْمَةِ، وَالتَّدْبِيرِ، وَلُطْفِ الْمُوَاتَاةِ لِلْخَيْرِ.
قَالَ تَعَالَى فِي خِتَامِ هَذِهِ السُّورَةِ:
nindex.php?page=treesubj&link=28742_29778_29785_32016_32232_32235_34224_34225_28983nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=111لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
الْقَصَصُ بِالْفَتْحِ: الْإِخْبَارُ عَنِ الْمَاضِينَ، وَالْقِصَصُ بِالْكَسْرِ جَمْعُ قِصَّةٍ، كَقِطَعٍ جَمْعِ قِطْعَةٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى:
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=111لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ قَصَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ الْقَصَصَ عَلَى قِصَّةِ
يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَبَعْضُهُمْ عَمَّمَهُ عَلَى قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ جَمِيعًا، وَعَلَى ذَلِكَ يَكُونُ الضَّمِيرُ فِي قَصَصِهِمْ يَعُودُ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ ذُكِرَتْ أَخْبَارُهُمْ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
كَنُوحٍ وَإِدْرِيسَ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَلُوطٍ وَيُوسُفَ وَيَعْقُوبَ، وَعَلَى الرَّأْيِ الْأَوَّلِ يَكُونُ الضَّمِيرُ يَعُودُ إِلَى
يُوسُفَ وَأَبِيهِ وَإِخْوَتِهِ.
وَقَدْ رَجَّحَ
nindex.php?page=showalam&ids=14423الزَّمَخْشَرِيُّ الثَّانِيَ بِعَوْدِ الضَّمِيرِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَذَلِكَ لِقِرَاءَةِ كَسْرِ الْقَافِ، إِذْ إِنَّهَا تَكُونُ قَصَصًا، وَلَيْسَتْ قِصَّةً وَاحِدَةً، وَقِصَّةُ
يُوسُفَ وَاحِدَةٌ، وَلَيْسَتْ قَصَصًا مُتَعَدِّدَةً.
وَمَهْمَا يَكُنْ فَإِنَّ قِصَّةَ
يُوسُفَ قِصَّةٌ وَاحِدَةٌ، اُخْتُصَّ بِهَا
يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهِيَ أَخْبَارٌ مُتَنَوِّعَةٌ قُطْبُهَا
يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَفِيهَا عِبَرٌ مُخْتَلِفَةٌ، فِيهَا بَيَانٌ لِحَالِ النُّفُوسِ، وَمَا يَعْرُوهَا مِنْ مَنَازِعَ، وَمَا تَعْتَرِكُ بِهِ مِنْ أَهْوَاءٍ، وَمَا فِي النَّفْسِ مِنْ قُوَّةِ إِرَادَةٍ وَصَبْرٍ لِلْمُهْتَدِينَ، وَنُزُوغٍ فَاسِدٍ لِلضُّعَفَاءِ الَّذِينَ يَنْسَاقُونَ، وَمَا فِيهَا مَا يَحْمِي الْبُيُوتَ مِنْ آفَاتٍ، وَمَا يَعْرُوهَا مِنَ اِنْحِرَافَاتٍ، وَفِيهَا بَيَانٌ لِتَدْبِيرِ الْجَمَاعَةِ، وَتَنْظِيمٌ
[ ص: 3880 ] لِاقْتِصَادِهَا، وَإِحْكَامٌ، وَإِخْلَاصٌ، وَعَدْلٌ، وَبَيَانٌ لِمَا يَجِبُ مِنَ الِادِّخَارِ مِنْ سِنِيِ الرَّخَاءِ لِسِنِيِ الشِّدَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=47فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلا قَلِيلا مِمَّا تَأْكُلُونَ nindex.php?page=treesubj&link=7643وَفِي سُورَةِ يُوسُفَ صُورَةٌ لِلْحَاكِمِ الْعَادِلِ، تَرَاهَا فِي
nindex.php?page=treesubj&link=31897أَوْصَافِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَأُولَى هَذِهِ الصِّفَاتِ الْبَارِزَةِ: قُوَّةُ الْإِرَادَةِ، وَمَظْهَرُهَا الصَّبْرُ عِنْدَمَا تَعْتَلِجُ النَّفْسُ بِأَسْبَابِ الشَّهَوَاتِ.
وَثَانِيهَا: الْأَنَاةُ، وَأَنْ يَضْبُطَ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَلَا يَنْسَاقَ وَرَاءَهُ، فَالْحَاكِمُ الَّذِي يَسِيرُ وَرَاءَ الْغَضَبِ يَشِطُّ، وَيَظْلِمُ، وَقَدْ رَمَاهُ إِخْوَتُهُ بِالسَّرِقَةِ كَاذِبِينَ عَلَيْهِ، مُغْرِضِينَ عَلَيْهِ.
وَثَالِثُهَا: الْعِنَايَةُ بِذَوِي الْحَاجَاتِ، وَلَوْ كَانُوا مُؤْذِينَ لَهُ، أَوْ سَبَقَ لَهُمْ مِنْهُ الْأَذَى كَمَا عَامَلَ إِخْوَتَهُ.
وَرَابِعُهَا: الثِّقَةُ بِالنَّفْسِ، وَطَلَبُ الْأَمْرِ إِنْ كَانَ يُصْلِحُهُ، كَمَا قَالَ
يُوسُفُ nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=55اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ فَلَمْ يَفِرَّ مِنْ تَحَمُّلِ التَّبِعَةِ عَنْ بَيِّنَةٍ وَجَدَارَةٍ وَاسْتِحْقَاقٍ، مَعَ ذَاكِرَةٍ قَوِيَّةٍ مُدْرِكَةٍ، يَعْلَمُ مَا مَضَى وَمَا حَضَرَ.
وَخَامِسُهَا: الْإِخْلَاصُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَعِبَادَتُهُ وَحْدَهُ، فَلَا يُشْرِكُ، فَتَدَيُّنُ الْحَاكِمِ يَجْعَلُهُ خَاضِعًا لِلَّهِ.
وَسَادِسُهَا; أَنْ يَكُونَ رَفِيقًا فِي مُعَامَلَةِ النَّاسِ شَفِيقًا بِهِمْ، فَهُوَ كَالْوَالِي عَلَى الْيَتِيمِ، يُعْطِيهِمْ مِنْ رِفْقِهِ وَرِفْدِهِ مَا يُدْنِيهِمْ إِلَيْهِ، وَهَكَذَا كَانَ
يُوسُفُ حَتَّى وَهُوَ فِي سِجْنِهِ، فَقَدْ كَانَ يُنَادِيهِمْ، وَهُوَ فِي سِجْنِهِ مَعَ الْمَسْجُونِينَ بِأَنَّهُمْ أَحْبَابُهُ وَأَصْحَابُهُ، وَإِنَّ مِنَ الشَّفَقَةِ وَالرِّفْقِ الْعَفْوَ عِنْدَمَا تُوجَدُ أَسْبَابٌ يُدَاوَى بِهِ الْحَسَدُ وَالْعَدَاوَةُ، فَلَا يَجْتَثُّ شَيْءٌ الْحَسَدَ وَالْأَحْقَادَ كَالْعَفْوِ وَالْمَحَبَّةِ وَإِدْنَاءِ الْبَعِيدِ، وَتَقْرِيبِ الْعَشِيرِ، وَكُلُّ ذَلِكَ كَانَ فِي
يُوسُفَ. [ ص: 3881 ]
وَسَابِعُهَا: التَّأَنِّي لِلْأُمُورِ، وَقَدْ رَأَيْنَا كَيْفَ أَخَذَ الثِّقَةَ فِي لِينٍ، وَمِنْ غَيْرِ إِعْنَاتٍ مِنَ الْعَزِيزِ، ظَهَرَ ذَلِكَ فِيمَنْ هُوَ أَعْلَى مَنْصِبًا مِنْهُ، وَظَهَرَ فِي صَغَائِرِ الْأُمُورِ، كَمَا رَأَيْتُ فِي اِسْتِبْقَائِهِ أَخَاهُ مِنْ غَيْرِ اِقْتِتَالٍ، بَلْ بِوَضْعِهِ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ مِنْ غَيْرِ اِتِّهَامٍ لِشَخْصِهِ، ثُمَّ أَخَذَ الْحُكْمَ مِنْ أَلْسِنَتِهِمْ، وَنَفَّذَهُ بِقَوْلِهِمْ. ثُمَّ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ أَخَذَ الْأُمُورَ بِالتَّأَنِّي، حَتَّى اِلْتَقَى بِأَبِيهِ عَلَى مَائِدَةِ الرَّحْمَةِ وَالْمَوَدَّةِ وَالْإِيثَارِ، وَقَدْ قَتَلَ الْحِقْدَ بِالْعَفْوِ، وَالْغَيْرَةَ بِالْمَحَبَّةِ، وَالضَّلَالَ بِالْهِدَايَةِ.
وَفِي السُّورَةِ عِبَرٌ كَثِيرَةٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضًا مِنْهَا فِي أَوَّلِ السُّورَةِ فِي مَعَانِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=7لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ
وَقُلْنَا: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى:
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=111لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ الضَّمِيرُ يَعُودُ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَخَصَّصْنَا نَحْنُ قِصَّةَ
يُوسُفَ بِبَعْضِ مَا يَلُوحُ مِنْهَا مِنْ عِبَرٍ، وَالْعِبْرَةُ وَالِاعْتِبَارُ الْحَالُ الَّتِي يُعْرَفُ فِيهَا، مَا يَجِبُ عَمَلُهُ فِي الْحَاضِرِ بِالْأَخْذِ مِمَّا كَانَ فِي الْمَاضِي بِأَنْ يَتَفَكَّرَ وَيَتَدَبَّرَ مَا كَانَ فِي الْمَاضِي مِنْ وَقَائِعَ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ نُورٌ يُضِيءُ لِلْحَاضِرِ، فَالْإِنْسَانُ اِبْنُ الْإِنْسَانِ يَتَشَابَهُ فِي آثَامِهِ، وَيَتَشَابَهُ فِي عَوَاقِبِهَا وَنِهَايَتِهَا، فَذِكْرُ هَذِهِ الْآثَامِ لِجَمَاعَةٍ أَوْ قَبِيلٍ، وَبَيَانُ الْعَوَاقِبِ بَيَانٌ لِلْعَوَاقِبِ فِي كُلِّ جِيلٍ، لِمَنْ يَقَعُ فِيهَا مِنْ أَهْلِ هَذَا الْجِيلِ الَّذِي خَلَفَ الْأَوَّلَ، وَلِذَا كَانَ فِي قَصَصِ الرُّسُلِ إِنْذَارٌ لِلْمُشْرِكِينَ وَتَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ وَالْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ نَصْرَ اللَّهِ آتٍ، وَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ مَهْمَا يَتَأَخَّرِ الزَّمَانُ.
وَيُقَيِّدُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمُعْتَبِرِينَ بِأَنْ يَكُونُوا مِنْ ذَوِي الْأَلْبَابِ أَيِ: الْعُقُولِ الَّتِي تَذْهَبُ فِي إِدْرَاكِهَا إِلَى لُبِّ الْأُمُورِ وَحَقَائِقِهَا، وَيَتَدَبَّرُونَ مَبَادِيَهَا، وَنِهَايَاتِهَا، وَيُبَيِّنُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَيُخْتَرَعُ كَأَسَاطِيرِ الْأَوَّلِينَ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=111مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى كَمَا قَالَ الْأَفَّاكُونَ إِنَّهَا
nindex.php?page=tafseer&surano=25&ayano=5أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا وَالتَّنْكِيرُ فِي - حَدِيثًا - لِعُمُومِ النَّفْيِ أَيْ: مَا كَانَ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=111حَدِيثًا أَيْ: حَدِيثًا يُفْتَرَى وَيُخْتَرَعُ اِخْتِرَاعًا لِمُجَرَّدِ التَّسْلِيَةِ وَتَزْجِيَةِ الْفَرَاغِ،
[ ص: 3882 ] وَالتَّسَلِّي الْمُجَرَّدِ بِالْأَحَادِيثِ، بَلْ كَانَ أَخْبَارًا جَاءَتْ بِهَا الْكُتُبُ السَّمَاوِيَّةُ مِنْ قَبْلُ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى:
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=111وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ أَيْ: أَنَّهُ كَلَامٌ فِيهِ تَصْدِيقٌ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ الَّتِي نَزَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ كَالتَّوْرَاةِ الصَّادِقَةِ، وَقَوْلُهُ:
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=111تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ فِيهِ إِثْبَاتُ صِدْقِهِ فِيمَا أَخْبَرَ، وَصِدْقِهَا فِيمَا أَخْبَرَتْ بِهِ; لِأَنَّ الصَّدْرَ فِيهَا وَاحِدٌ، وَيُعَبِّرُ بِكَلِمَةِ
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=111بَيْنَ يَدَيْهِ فِي الْقُرْآنِ بِمَا سَبَقَهُ، وَكَأَنَّهُ بِعِلْمِهِ حَاضِرٌ بَيْنَ يَدَيْهِ.
لَقَدْ ذَكَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ إِنَّهَا مِنَ الْقُرْآنِ، وَهِيَ مُوَافِقَةٌ لِلصَّادِقِ مِنَ الْكُتُبِ عِنْدَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَمُبَيِّنَةٌ لِلزَّائِفِ مِنْهَا، وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى لِسَانِ رَجُلٍ لَا يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ، وَفِي قَوْمٍ أُمِّيِّينَ لَيْسَ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ وَلَا مَعَاهِدُ لِلْعِلْمِ، وَمَا كَانَ كَثِيرَ النُّجْعَةِ وَالِارْتِحَالِ، بَلْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ إِلَّا رِحْلَتَانِ إِلَى الشَّامِ، إِحْدَاهُمَا فِي الثَّانِيَةِ عَشْرَةَ، وَالثَّانِيَةُ فِي الْخَامِسَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهِ.
وَالضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=111مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى عَائِدٌ إِلَى الْقَصَصِ، وَهُوَ مُصَدِّقٌ لِمَا جَاءَ فِي الْكُتُبِ السَّابِقَةِ، وَدَلِيلٌ عَلَى صِدْقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِيهِ هِدَايَةٌ وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ مِنْ شَأْنِهِمُ الْإِيمَانُ بِالْحَقِّ إِذَا جَاءَهُمْ فَالْقَصَصُ فِيهِ هِدَايَةٌ لِأَنَّ فِيهِ دَعْوَةَ النَّبِيِّينَ وَعَاقِبَةَ الْمُكَذِّبِينَ، وَفِيهِ رَحْمَةٌ لِتَجْنِيبِ الْمُؤْمِنِينَ عَاقِبَةَ الْكُفْرِ.
وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْقَصَصِ فَهُوَ فِي ذَاتِهِ هُدًى، لِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَهُوَ رَحْمَةٌ، لِأَنَّ الْهِدَايَةَ رَحْمَةٌ، وَخَصَّ ذَلِكَ بِاَلَّذِينِ يُؤْمِنُونَ وَيُذْعِنُونَ لِلْحَقِّ إِذَا جَاءَهُمْ،
nindex.php?page=tafseer&surano=12&ayano=111وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أَمَّا مَنْ لَا يُذْعِنُونَ وَلَا يُؤْمِنُونَ فَهُمْ قَوْمٌ بُورٌ.